المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دفاعًا عن نظرية التطور


أنا لُغَـتِي
06-30-2014, 02:57 PM
[/URL]http://jameswharris.files.wordpress.com/2013/02/ontheoriginofspecies_thumb.jpg?w=400&h=611 (http://jameswharris.files.wordpress.com/2013/02/ontheoriginofspecies_thumb.jpg?w=400&h=611)

كتب الدكتور حامد إسحق خوجه مقالًا مطولًا بعنوان (حقيقة نظرية التطور) (http://e3jaz.way2allah.com/modules.php?name=News&file=article&sid=77) وهو مقالٌ منشورٌ في عددٍ كبيرٍ من المواقع الإلكترونية، قدَّم فيه انتقاداته لنظرية التطور، والحقيقة أنَّ ما قدَّمه الدكتور خوجه لا يُمكن اعتباره انتقادات علمية، وإنَّما هو من قبيل الهجوم، معتمدًا في ذلك على استغلال العاطفة الدَّينية لدى الجمهور، وفي هذا المقال سوف أحاول تفنيد ما جاء في مقال دكتور خوجه، محاولًا إزالة الغبار الذي خلَّفه على هذه النظرية العظيمة.

المستوى الأول: تفنيد شرحه لنظرية التطور

المقال يعج بالأخطاء والمُغالطات العلمية، ودعوني أبدأ معكم أولًا من مزعم صاحب المقال والذي نسب إلى داروين قوله: "إنَّ تزاوجًا بين زنجي وغوريلا قد يكشف لنا سر الحلقة المفقودة."(انتهى الاقتباس) بالتأكيد هذا الكلام غير علمي وغير صحيح، ولم يرد لا في نظرية داروين ولا في أيّ مجلة علمية على الإطلاق، لسببين بسيطين جداً، أولهما أنَّه حتى وإن حدث مثل هذا التزاوج فإنَّه لن يُؤدي إلى النتيجة المطلوبة، لأنَّ معرفة الحلقة المفقودة تكون بالرجوع إلى الوراء حيث الأسلاف المُنقرضة، وليس بإنتاج أنواعٍ مُهجنةٍ جديدة، فنتاج تزاوج الزنجي والغوريلا (إذا نتج عنه ناتج أصلًا) قد يُؤدي إلى إنتاج نوعٍ جديدٍ يُضاف إلى سلسلة التطوّر ويزيد الأمر تعقيدًا، ولن يكشف عن الحلقة المفقودة التي كان داروين يبحث عنها. ومن ناحية أخرى، فإنَّ الشمبانزي هو المُرشح الأكبر من بين القردة الحالية في علاقة الصِّلة والقرابة مع الإنسان وليس الغوريلا. وهكذا فإنَّنا نكتشف كذب هذا الشخص وتلفيقه، بنسبته كلامًا غير علمي إلى داروين حتى دون أن يُشير إلى مصدر هذا الادعاء.

الأمر الآخر الذي كذَّبَ فيه هو زعمه بأنَّ نظرية التطوّر تم تدريسها في عددٍ من المعاهد العلمية في العالم الإسلامي، وهذا لم يحدث على الإطلاق. نظرية التطوّر لم تدرّس في الجامعات الأوربية والغربية عمومًا إلَّا منذ فترةٍ قريبةٍ، وكانت النظرية مرفوضةً وقتها، لنتائجها المُتعارضة مع العقيدة المسيحية، فما بالكَ بالجامعات العربية والإسلامية، والتي تُعتبر أكثر تخلفاً بمراحلٍ شاسعةٍ من الجامعات الأمريكية والأوربية؟ وتعلمون أنَّنا ومنذ حقبٍ وسنواتٍ طويلةٍ نشكو من تدهور المناهج التعليمية، ومن تدني الاهتمام بمسألة البحوث العلمية وحريتها، وكانت تلك إحدى القضايا الشائكة في عالمنا العربي، وقد تناول الدكتور أحمد زويل هذه المسألة في إحدى المحاضرات التي ألقاها، وطالب الحكومات العربية بإتاحة فرص وحريات أكبر للبحوث العلمية، ولكن لا حياة لمن تنادي.

يقع كاتب المقال في ذات الخطأ الشائع الذي يقع فيه عامة الناس ممن لا يُحيطون بنظرية التطوّر علمًا، ألا وهو ادعاؤه بأنَّ نظرية التطوّر تقول بأنَّ أصل الإنسان قرد، وهو ما يُنافي الحقيقة، ولقد أوضحتُ أكثر من مرّة أنَّ هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق، وعارٍ من الصحة، فالنظرية لا تقول ذلك، بل تقول: إنَّ بين الإنسان والقرد سَلفٌ مُشترك، بل وتقوم النظرية بتحديد فصيلٍ واحدٍ من القردة، فالإنسان لا يشترك مع جميع القردة "جُملةً" في سلفٍ واحدٍ، بل مع الشمبانزي بالتحديد، ورغم ذلك نراه يقول: "وقد ظن الكثيرون أنَّ محور الخلاف فى النظرية هو ادعاؤها بأنَّ الانسان يعود أصله إلى القرود، ومع أن هذه نقطة جوهرية فى النظرية الا أنها ليست كل ما تشمله وتدعيه"(انتهى الاقتباس) فهو يدعي بأنَّ هذه المعلومة الخاطئة "نقطةٌ جوهريةٌ" في النظرية، وهو ما يجعلنا منذ البداية نشكك في إلمام هذا الكاتب بالنظرية، وحقيقة دوافعه في الكتابة عنها.

الكذبة الثانية التي ادعاها كاتب المقال هو الزعم بأنَّ أحد المحاور الأساسية في نظرية التطوّر هو بدء الحياة على الأرض (وأسهب في هذه النقطة)، والحقيقة أنَّ نظرية التطوّر لا تُعنى أصلًا بمناقشة أو تفسير بدء الحياة على كوكب الأرض، فهذه واحدة من اهتمامات نظرية الأبيوجنيسيس Biogenese أو نظرية "التخلّق البيولوجي" فهي التي تحاول تفسير نشوء الحياة الأولى على الأرض، وكيف وُجدت الحياة منذ البداية، وكل ما تناوله الكاتب حول ذلك منقولٌ عن تلك النظرية؛ أمَّا نظرية التطوّر فهي تُركز على موضوع التنوّع في الكائنات الحيّة، وهو بذلك (أي الكاتب) يخلط –كغيره من عامة الناس- بين النظريتين، ففي حين يدعي هذا الكاتب أنَّ نظرية التطور تقوم على محورين هما: (بداية الحياة) و (الجنس البشري) فإنَّ حقيقة النظرية تقوم على محورين فعلاً، هما: (التطوّر) و (الانتخاب الطبيعي) والتطوّر ليس بمعناه التعقيدي؛ وإنَّما التطوّر بمعنى اكتساب الكائنات الحيّة لمميزات تساعدها على البقاء. تلك هي "أساسيات" نظرية التطوّر الأولية، ولكم أن تتساءلوا: "إذا كان كاتب المقال، يجهل أساسيات النظرية، فكيف له أن يُقدم لها نقدًا علميًا؟"

واحدةٌ من أبشع أكاذيب كاتب المقال هو تحريفه لعنوان كتاب تشارلز داروين والذي ترجمه إلى (أصل الخلائق) والحقيقة أنَّ اسم الكتاب الحقيقي هو (أصل الأنواع) وبالإنكليزية (the Origin of Species) وهي تدل على عدم أمانة في النقل والترجمة؛ وإذا قام أحدهم بترجمة كتاب بعنوان (Is Mohammad was a Prophet) إلى (هل كان سيدنا محمد نبيًا) فإنَّه يتضح لنا منذ البداية أنَّ ترجمة محتوى الكتاب لن تكون أمينة أبدًا، لأنً إضافة كلمة "سيدنا" تشي بتحيّزٍ يتنافى مع المنهج العلمي الرَّصين في النقل والترجمة، ولو أنَّه ترجمها إلى (أصل الأصناف) أو (أصل الكائنات) لكان مقبولًا، لولا أنَّ كتاب داروين هذا أشهر من أن يُخطئ الكاتب في اسمه. ولا يغيبُ علينا أنَّ مُصطلح (خلائق) وهي جمع كلمة (خَلْق) تُنافي أصلًا مفهوم التطوّر الذي يدحض في نهاياته مفهوم "الخلق المستقل". كما أنَّه يزعم أن "مُجمل" النظرية "يقوم" على أنَّ الوجود قام بدون خالق، والحقيقة أنَّ هذا هو "نتيجة" النظرية النهائية، والتي أذهلت داروين عندما توصل إليها، وجعلته يتردد في نشرها في البداية، والفرق بين القاعدة والنتيجة واضح، فالنظرية لا تقوم على دحض فكرة الخلق، بل تؤدي إلى الوصول إلى هذه النتيجة.

الأمر الآخر، أنَّ الكاتب بدا مُتأثرًا بما يُشاع عن النظرية وتأصيلها لفكرة العنصرية، ليس بتفنيدٍ علمي على الإطلاق، بل هو في سبيل ذلك ينفي ما يقوله علماء نظرية التطوّر أنفسهم؛ أيّ أنَّ الأمر عنده لا يُؤخذ من مصادره، بل هو فقط سير على موجة الرفض العامة للنظرية وحسب. فهل –مثلاً- إذا جاء قسٌ مسيحيٌ وادعى أنَّ الإسلام يُبيح الكذب، واستشهد في ذلك بأدلة من كُتب الحديث أباح فيها محمد الكذب في ثلاث مواضع: (1) الحرب (2) إصلاح ذات البين (3) الاضطرار والإكراه، وقام شيوخ الإسلام بنفي "إطلاق" إباحة الكذب في الإسلام، وأظهروا حديث محمد الذي يقول فيه بأنَّ المسلم قد يزني وقد يسرق، ولكنه لا يكذب. وقام القس، وقال: "خلافًا لما يُروّج له شيوخ وأئمة الإسلام فإنَّ الإسلام يُبيح الكذب" فهل يكون لكلامه معنى؟ الحقيقة أنَّ النقل الوحيد الذي يجب أن نعتمد عليه بموثوقية هو النقل عن المصدر الأولي، فإنَّ علماء الإسلام والمسلمين أعلم بالإسلام من غير المسلمين، وكذلك فإنَّ علماء نظرية التطوّر أعلم بهذا الرجل فيما يخص النظرية، وهو لا يُنكر ذلك فقط على أنصار التطورية، بل وعلى علماء الأحياء الطبيعية في المُجمل، وبذلكَ فإنَّ أيّ عالم أحياء (سواءٌ أكان تطوريًا أم غير ذلك) فإنَّ كلامه غير مُعتد به لديه، وعليه فإنَّه يتوجب على المُسلم أن يترك فورًا ما يقوله هؤلاء العلماء ولا يقرأه إلَّا من باب أنَّهم يحاولون الإنكار والتلفيق، ويكون كلام هذا الكاتب هو المُعتمد؛ فهل هذا كلام قد يُصدّقه إنسان؟

أضف إلى ذلك أنَّه ينكر جملةً وتفصيلًا الأساس الذي قامت عليه النظرية، من حيث أنَّها قامت، في الأصل، على دراسة النباتات والحيوانات، وليس الإنسان. والحقيقة التي يعرفها الجميع أنَّ منابع نظرية التطوّر بدأت بالرحلة المشهور التي قام بها داروين إلى "أرض النار" لدراسة أنواعٍ من الطيور، دون أن ننسى أنَّ داروين في الأصل (عالم حيوان Zoologist) وملاحظاته المُذهلة حول التنوّع الهائل في الطيور هي التي جعلت النظرية تتوسّع لتشمل أنواعًا أخرى من الكائنات، ومنها الإنسان، وهكذا يظهر لنا الكذب الفاضح لهذا الكاتب.

كما أنَّ كلام هذا الكاتب يحتوي على مُغالطاتٍ كبيرةٍ، فهو يدعي أنَّ داروين "ركّز" على تفوق الجنس الأوربي على غيره من الأجناس البشرية. وهذه مُغالطةٌ لم يسق لها الكاتب أيّ دليلٍ إلَّا اعتقاداته الشخصية والمشهورة كحجةٍ راسخةٍ في دحض النظرية وتشويهها، ولقد حاولتُ أن أوضحَ من قبل أنَّ نظرية التطوّر، كنظريةٍ علميةٍ، لا تهتم بهذا الأمر بتاتًا، بل وإنَّنا لو حاولنا فهم النظرية فإنَّها، بطريقةٍ ما، تُعلي من الأصل الأفريقي الذي يُعتقد أنَّه أصل الإنسان المُعاصر، على خلاف ما يحاول هذا الكاتب، وغيره، الترويج له، فقط من أجل دغدغة مشاعر الناس، وتنفيرهم من النظرية.

كما أنَّه يكذب، أيضًا، حول ميل النظرية واستهدافها إلى إثبات التفوق الكبير لليهود، دون أن نفهم ما إذا كانت النظرية تهدف لإعلاء الجنس الأوربي أم الجنس اليهودي، فكلا النتيجتين متناقضتين؛ فإذا كان هدف النظرية هو إعلاء جنس اليهود، فهذا بالمقابل يُسقط عنها أنَّها تحاول الإعلاء من الجنس الأوربي، فاليهود يعتبرون أنفسهم العرق الأنقى من بين أجناس العالم، بمن فيهم العرق الأوربي أصلًا، وربما تعلم الأصول العرقية لليهود والتي لا علاقة لها بالجنس الأوربي وإنسانه؛ فأيّ الكذبتين نصدق؟

إنَّ هذه الكذبة قائمةٌ، أصلًا، اعتمادًا على معلومةٍ خاطئةٍ مُتعلقةٍ بأصول داروين الدينية؛ إذ يعتقد البعض أنَّه من أصل يهودي، وإذا عرفنا أنَّه ليس من أصول يهودية، بل من أصولٍ مسيحية، فإنَّ كل ما يلي هذا الادعاء يسقط تمامًا، لأنَّ ما بُني على باطل فهو باطل؛ أليس كذلك؟ لقد اشتمل المقال على العديد من المُغالطات، ومنها سعي النظرية إلى إيجاد مُبررات للغربيين لاستعمارهم لبلدان الشعوب الأخرى وإبادتهم واسترقاقهم، ولقد حاولتُ الإجابة على هذا الأمر سابقًا، فمن غير المقبول، لا منطقًا ولا عقلًا، التصديق بأنَّ يكون غرض نظرية "علمية" تقوم أصلًا لتبرير مثل هذا الفعل.

ثم يُضيف الكاتب أمرًا غريبًا لمُجمل نتائجه عن النظرية؛ إذ يرى أنَّ نظرية التطوّر هي الأساس في الإباحية الجنسية الحديثة، والشذوذ الجنسي والغناء والرقص والتمثيل والعشق، ولا أعرف كيف ذلك على وجه التحديد!! فهو، كما يبدو، كلامٌ غير علمي وغير صحيح، ولا يعدو كونه مُجرّد خطرفة، الغرض منها حشد أكبر عددٍ من الاتهامات الأخلاقية للنظرية في سبيل تنفير الناس منها، بحيث يستحيل على المُسلم أن يطلع، مُجرّد اطلاع، على النظرية إذا كانت تحمل كل هذه الشرور والآثام والموبقات. ومن المُضحك أيضًا أنَّه يدعي أنَّ نظرية التطوّر كانت الأساس الذي اعتمد عليه ماركس في إنشاء الفكر الشيوعي، وأيضًا لم أستطع فهم الرابط بين نظرية التطوّر وبين الفكر الشيوعي!

المستوى الثاني: تفنيد نقده لنظرية التطور

أولًا: يبدأ الكاتب نقده للنظرية بسرد فكرةٍ خاطئةٍ تمامًا، فيقول: "منذ أن قام داروين بوضع نظريته الإلحادية"(انتهى الاقتباس) وهذا الكلام غريبٌ في الحقيقة، فنظرية التطوّر نظريةٌ ذات نتائج إلحادية، وليست نظريةً إلحادية. وفقط لتبيان الأمر، فإنَّ تسمية النظرية بنظرية إلحادية فإنَّ ذلك يعني قيام النظرية على فرضياتٍ إلحادية، وهذا غير متوافر في نظرية التطوّر، ولكن مما لاشكَ فيه أنَّ نظرية التطوّر، تحمل نتائجًا إلحادية بالتأكيد، وهذا مجاله الفلسفة وليس العلم، فكان الأدق أن يقول "نظريته ذات النتائج الإلحادية". ولكن مهلًا! هل بإمكاننا رفض النظرية العلمية لأنَّها تحتوي على نتائجٍ إلحادية؟ إذا كان هذا الأمر صحيحًا فإنَّ علينا أن ننسف نظرية النسبية لأنشتاين أولًا، وقبل ذلك أن ننسف نظرية ميكانيكا الكم، لأنَّهما تحتويان، أيضًا، على نتائجٍ إلحاديةٍ بصورةٍ أكبر مما تحملها نظرية التطوّر. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا: "إذا كانت أكبر النظريات العلمية تقود إلى الإلحاد، أفلا يجعلنا هذا نعيد التفكير بشأن معتقداتنا الدينية؟"

ثانيًا: يدعي الكاتب أنَّ عددًا مُقدرًا من العلماء الأوربيين تصدَّوا لنظرية التطوّر ودحضوها، ولولا ماكينة الإعلام اليهودية لما تمكنت النظرية من النهوض مُجددًا. هذا الكلام يوضح خبث مطيّة الكاتب، لأنَّ النظرية رُفضت فعلًا من قبل العديد من العلماء، ولكن ترى ما هي اعتراضاتهم الأساسية على النظرية؟ وهل لم يقم أنصار النظرية بالرد على هذه الاعتراضات وتفنيدها؟ ثم إنَّني أتساءل: "ما الذي يدفع اليهود للدفاع عن نظرية "إلحادية"؟ وما الذي يدفع الأوربيين لمُحاربة نظرية تبرر استعمارهم للشعوب وإبادتهم لهم واسترقاقهم للعبيد؟ أليستَ هذه النظرية قائمةً في أساسها من أجل التبرير لهذه البشاعات الأوربية بحسب زعم الكاتب؟ فلماذا يُحاربونها إذن؟ ولماذا يُحاربونها وهي قائمة أصلًا للانتصار للعرق الأوربي بحسب زعم الكاتب؟"

ثالثًا: يقول الكاتب إنَّ هنالك استحالة في تكوين جزيء البروتين، ويُعزز كلامه ذلك بكلام نسبه إلى العالم السويسري تشارلز جاي الذي يقول إنَّ فرص تكوين جزيء برويتيني واحد هي [1/16010] وتطلب هذه الصدفة [24310] سنة لحدوثه. حسنًا .. أرد على هذه الحجة فأقول:
(1) نظرية التطوّر لا تتعرّض أبدًا لمسألة نشوء الخلية الحيّة الأولى، هذا الأمر من اختصاص نظرية الأبيوجنيسيس أو "التخلّق البيولوجي"، فله أن يُقدّم لهم هذا الاعتراض وليس لنظرية التطوّر.

(2) الكاتب جاهلٌ بعلم الإحصاء ويرمي بجهله هذا على تشارلز جاي. فيقول باستحالة تكوين الجزيء البروتيني، ثم يُضيف أنَّ هنالك احتمالًا قدره [1/16010] وهو لا يعلم أنَّ هذا القدر من الاحتمال كافٍ جدًا لانعدام الاستحالة. فعندما أقول لكَ: "إجراء العملية به خطورةٌ كبيرةٌ على حياتكَ، ونسبة نجاحها 1/100" فهذا لا يعني أبدًا أنَّ نجاح العملية أمر مُستحيل. ثم إنَّه لا يكون أيّ وجود للاحتمالات في حال حدوث الأمر فعلًا، فنسبة احتمالية الحدث بعد وقوعه هي 100%

(3) يقول كذلك إنَّ حدوث الأمر يتطلب [24310] سنة، والنظريات العلمية والأبحاث الجيولوجية تقول إنَّ أول ظهور للحياة على الأرض كان قبل [4] مليارات سنة، أي أكثر بكثير من عدد السنوات التي افترضها الكاتب على لسان العالم السويسري، وبالتالي فإنَّه بإمكاننا القول (إذا صحّت هذه المزاعم أصلًا) أنَّه كان بالإمكان حدوث ذلك فعلًا، ولا أدري إن كانت عدد السنوات الافتراضية هذا مستحيل التحقق أيضًا بالنسبة إليه أم ماذا؟

(4) في تجربة يوري-ميلر الشهيرة تمكَّن هذا العالمان فعليًا في عام 1953م من إنتاج بعض الأحماض الأمينية التي تدخل في تكوين الخلية الحيّة، وفي كل مرّة كانت تتم فيه إعادة التجربة كانا يتمكنان من إنتاج أحماض أمينية جديدة حتى بلغت 27 حمضًا أمينيًا. وبإمكانكم الرجوع إلى مقطع الفيديو المُنتشرة على youtube.com أو زيارة إحدى المواقع العلمية والتي تشرح نظرية الأبيوجنيسيس، للوقوف على شرحٍ لتجربة يوري وميلر المُدهشة، لتعلموا أنَّه تم كسر حاجز الاحتمالات الوهمي الذي يُحاول الكاتب وضعه هنا.

(5) وأخيرًا، فإنَّ الحديث عن استحالة تكوَّن جزيء بروتيني يُعد جهلًا فاضحًا ومُريعًا ببديهيات علم الأحياء لأنَّه يفترض أنَ هنالك بروتين حُر في الطبيعة، وأنَّ هذا البروتين هو من يُساعد في تكوين الخلية الحيَّة، والواقع أنَّ لا وجود لبروتين حُر فالبروتين يتم إنتاجه داخل الخلية الحيَّة، فالخلية الحيَّة هي التي تُنتج البروتين وليس العكس! فهل من المعقول أنَّ عالم طبيعة مثل تشارلز جاي يجهل هذه المعلومة البديهية؟

رابعًا: بناءً على اعتقاده الخاطئ الأول فإنَّه يبني اعتقادًا آخر خاطئ وهو "استحالة" تكوين أحماض نووية من نوع DNA و RNA وبناءً على هذا الاعتقاد الخاطئ المبني على الاعتقاد الخاطئ الأول، فإنَّه يصل إلى نتيجةٍ نهائيةٍ مُفادها: استحالة تكوّن خلية واحدة! هذا ما يُسمى بالجهل المُركَّب. وقد سمعنا بالإنجاز العلمي الذي تمّ مؤخرًا على يد كلٍ من: دانيال غيبسون وجيه كريك فينتر اللذان تمكَّنا من إنتاج أول خليّة حيّة اصطناعية. ورغم كل ما يُقال عن هذا الإنجاز العلمي الهام، فإنَّه من الواضح قدرة العلم المُذهلة على الإجابة عن التساؤلات الوجودية الخطيرة والمؤرقة لنا جميعًا حول أصل ومنشأ الحياة، فقط ما علينا إلَّا أن ننتظر نتائج هذه الأبحاث الجادة لنكتشف الحقيقة.

خامسًا: الأمر الذي قد يجهله هذا هو أنَّ نظرية التطوّر الداروينية مرّت هي الأخرى بطفراتٍ كبيرةٍ، فلم يكن عدم تمكن داروين من الإجابة على كثيرٍ من التساؤلات التي كانت مطروحةً في وقته ناتجًا عن قصور في النظرية، وإنَّما قصور في الوسائل والمعارف العلمية، وظلت هذه الأسئلة مُعلقةً حتى حدثت الطفرة الكبرى في مجال علم الجينات، مما ساعد كثيرًا في وضع النقاط على الحروف، وجعل كثيرًا من العلماء الذي رفضوا النظرية في البداية إلى الإقرار بها أخيرًا. إنَّ هذه الاكتشافات العلمية الحديثة دفعت بنظرية التطوّر دفعاتٍ قوية إلى الأمام، لدرجة أنَّ مسألة التطوّر والانتخاب الطبيعي لم تعد مما يدور حولها شك أصلًا.

سادسًا: يدعي الكاتب أنَّ كائناتٍ بدائية مثل: (الأمبيا والرخويات والبكتيريا والطحالب) تُنافي مبدأ الانتخاب الطبيعي [الآن فقط بدأ الكاتب في تناول نظرية التطوّر] فإنَّ هذا الكلام يُعتبر جهلًا فاضحًا بالنظرية وبمبدأ الانتخاب الطبيعي نفسه. فالكاتب يبدو أنَّه لا يعلم أنَّ البكتيريا، مثلًا، تعتبر كائنًا متطوّرًا على الدوام، وينطبق عليها تمامًا ما ينطبق على بقية الأنواع من حيث التطوّر والانتخاب الطبيعي، وهنالك مثلًا كائناتٌ مجهريةٌ انقرضت فعليًا كالكائنات المُسببة لمرض الطاعون، وتلك المُسببة للجدري، ولكن ما تبقى منها فهو منحدر من تلك الأصول (الأسلاف) القديمة لتشكل بذلك أنواعًا جديدةً، وأمراضًا جديدةً. والتطوّر الهائل في علم الأمراض والمضادات الحيوية يوضح ذلك بجلاء. ولكن مهلًا! ماذا عن أنواع مثل: التماسيح والسلاحف ووحيد القرن مما تزال حيّة حتى اليوم؟

سابعًا: يتكلّم الكاتب عن تباين الصفات والامتيازات التي تتمتع بها بعض الكائنات التي يصفها بأنَّها (أقل مرتبةً) في محاولةً للإشارة إلى أنَّ هذا الأمر يجعل تفسير التسلسل في التطوّر أمرًا صعبًا. ولكن هذا الكاتب لا يعلم أنَّ نظرية التطوّر أصلًا تدعم هذا التباين وتقول به، وبهذا فإنَّ كلامه هذا لا يتنافى مع النظرية في شيء. قد قلنا أنَّ التطوّر لا يعني التعقيد وإنَّما يعني اكتساب الكائن لصفاتٍ ومميزاتٍ جديدة تساعده في البقاء، ويختلف كل كائن في اكتسابه لهذه الصفات والمميزات سواء لطبيعة المناخ أو لطبيعة التضاريس أو غيرها من العوامل، كما أنَّ فهمه الخاطئ هذا ناتج من عدم قدرته على التنازل عن غروره كإنسان يرى نفسه أرقى مرتبةً من بقية الكائنات الحيّة، والحقيقة أنَّ الإنسان كغيره من الكائنات الحيّة لا يختلف عنها على الإطلاق، يمتاز بأشياءٍ لا تمتاز به بقية الكائنات، كما أنَّه يفتقر إلى أشياء تمتاز بها بقية الكائنات.

ثامنًا: يتكلم الكاتب عن التوازن الطبيعي والمناخي، ولا أعلم ما علاقة هذا الأمر بنظرية التطوّر، أو كيف يُمكن أن يُعتبر هذا التوازن نقدًا للنظرية، بل ولا أعرف هل تحدثت النظرية عن شيء خلا هذا التوازن الطبيعي؟ ولكن ما أعرفه أنَّ هنالكَ اختلافاتٍ كبيرةٍ وشاسعةٍ بين الأقاليم الجغرافية سواءٌ من حيث المناخ أو من حيث التضاريس، وأنَّ هذه الاختلافات المناخية تلعب دورًا هامًا في تحديد أنماط الأنواع وأشكالها. ولكن يبدو أنَّ الكاتب يتغاضى عن أنَّ التطوّر الذي تقصده النظرية يتم عبر ملايين السنين، وليس بين عشية وضحاها حتى يستشهد بمثل هذه الاستشهادات الغريبة.

إنَّه لمن المُضحك، أو المُحزن ربما، أنَّه في الوقت الذي ما نزال فيه نتجادل "اليوم" حول نظرية التطوّر وصحتها، بطريقةٍ أقل ما يُقال عنها أنَّها تفتقر إلى الموضوعية والعلمية؛ يرى آخرون في طرف الكرة الأرضية الآخر أنَّ نظرية التطوّر لم تعد نظريةً على الإطلاق، بل حقيقةً علميةً راسخة؛ ففي مقدمة كتاب (أصل الأنواع) المُترجم إلى العربية يقول الأستاذ سمير حنا صادق في تقديمه للكتاب: "لم يعد التطوّر نظرية، فكل الدلائل تؤكده، ولم توجد ظاهرة واحدة تنفيه، وقد أصبح موضعه في العلم مثل كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، وأصبح من يرفضه كمن يرفض هذه الحقائق، وكل الخلافات التي تدور حول التطوّر إنما تناقش آليته"[1] كما ينقل عن بعض العلماء آرائهم حول النظرية، فينقل عن ناعوم تشومسكي قوله: "إنَّ تقدم شعب من الشعوب يُمكن أن يُقاس بمدى تفهمه للتطوّر"[2] وينقل عن ستيفن هوكنز قوله: "من المُستحيل تفهم علم الفيزياء الآن دون أخذ تطوّر المخ البشري وخواصه والأساسية ومقدراته -التي تكونت خلال ملايين السنين من الانتخاب الطبيعي- في الاعتبار"[3] وإنَّني لأستغرب الطريقة والحجج التي يُوردها رافضو هذه النظرية، والتي لا ترقى على الإطلاق إلى وصفها بالعلمية، وهي رغم بلاهتها إلَّا أنَّها منتشرةٌ ومُصدَّقةٌ من قاعدةٍ كبيرةٍ جدًا من الناس، وما ذلك إلَّا لأنَّ الأغلبية لا يهمهم على الإطلاق حجيّة ومصداقية الأدلة والبراهين، بقدر ما يسعون إلى التعلّق بأي نقدٍ يُقدَّم إلى هذه النظرية، في سعيهم إلى تطمأنة أنفسهم بأنَّهم لم يفتهم ركب العلم، وأنَّ عقيدتهم التي ينافحون عنها عقيدةٌ صحيحة، وفوق كل الشبهات. مُعتقدين بذلك أنَّ ما يُنتجه العلم والعلماء لا يعدو كونه مُجرّد محاولاتٍ للنيل من هذه العقيدة، فيظلون في وهمهم هذا، يضحكون من وراء الأسوار على هذه النظريات واصمين إياها بأبشع النعوت والصفات، وبعددٍ لا حصر له من الإفتراءات الكاذبة، دون أن يعلموا أنَّهم هم إنَّما يجعلون من أنفسهم أضحوكة.

لطالما تعّجبتُ من قدرة الأديان والعقائد على الثبات والرسوخ، ولكنني كل يوم أزداد يقينًا بخطر الأديان الذي يتمثل في استحواذه فعليًا على أدمغة البشر، والتحكم في طرائق تفكيرهم، بحيث يُصبحون وكأنَّهم قد تعرضوا إلى عملية غسيل دماغٍ مُؤسسٍ ومنظم. ومهما اختلفت وتباين مذاهب هذه الأديان والمُعتقدات، ومهما تظاهر الإنسان بالانفتاح والتقدمية والعلمية؛ إلا أنَّه يسقط في أول اختبارٍ حقيقي لقدرته على التفكير العلمي البحت، وعندها تظهر سيطرة الأديان والخرافات على عقله. يتجلى هذا الأمر في رفض قاعدةٍ كبيرةٍ من المؤمنين وأتباع الأديان المُختلفة لنظرية التطوّر، رغم ثباتها، وهم في هذا الرفض، يُطالبون أتباع النظرية بالإثباتات، ورغم السيل العارم من الإثباتات المؤكدة والمشاهدة إلا أنَّهم يصمون آذانهم ويعمون أبصارهم عنها، فلا يرون فيها إلا حججًا واهية. على أن من دلائل صحة ورسوخ التطوّر البيولوجي المؤكدة نتائجها المُجربة والمُطبقة: "ففي مجال العلوم الطبية مثلًا لا يمكن أن نفهم بعمق علومًا مثل علوم التشريح anatomy أو علم الكيمياء الحيوية biochemistry أو علم وظائف الأعضاء physiology أو علم الأمراض pathology أو علوم الوراثة genetics بدون تفهم التطوّر البيولوجي وتصدق هذه المقولة على العديد من العلوم الأخرى كعلم الاجتماع sociology وعلم اللغويات linguistic ناهيكَ عن علم الإنسان [4 ]anthropology.

ولكن ورغم هذه التطبيقات الكثيرة والمفيدة للنظرية؛ إلا أنه ما يزال أمامنا مُعارضون، يرفعون سيوف الجهل المُطبق في مواجهة هذه الحقائق والمُنجزات المُطبقة فعليًا، والتي لا يستغني هم أنفسهم عنها اليوم. ويبدو أنَّ قدر النظريات العلمية هو التصادم المباشر مع الأديان، فالنظريات التي تناولت كروية الأرض، جُوبهت في البداية بالرفض القاطع والحازم من قطاعات كبيرة من الناس: متعلمين وغير متعلمين، وكان الدين ورجال الدين يقفون وراء هذا الرفض، حتى محاولات السير شارلز لايل في إثبات أنَّ الوديان والسهول والتضاريس المختلفة إنَّما تولدت نتيجة لعوامل التعرية والزلازل والبراكين، والتي تعتبر من البديهيات اليوم، جُوبهت بالرفض الديني[5] في ذلك الوقت منتصف القرن الثامن عشر.

إنَّ من أغرب الانتقادات التي يُمكن أن توجه إلى هذه النظرية هي النقد الشخصي لصاحبها، كاتهامه بالانتماء إلى أصول يهودية، وما ذلك إلى من أجل استخلاص نتيجة مُفادها أنَّ ما ينتج عن دماغ اليهودي لا يُمكن أن يكون شيئًا سوى محاربة الدين الإسلامي، ولا يُمكن بالتالي أن يبتعد عن مخططات الدولة الصهيونية، ليُختزل الأمر في نهايته إلى "نظرية المؤامرة" التي لم يستطع كثير منا التخلص منها حتى اليوم، مهما ادعينا من التقدمية والوعي والعملانية، لتصبح هذه النظرية خرافةً تقيدنا إليها بينما يعبر الآخرون خلال الزمن إلى عوالم أكبر وأوسع، ويواصلون في تقدمهم العلمي، بينما نقف نحن في مكاننا، ننعق بما لا نعي ولا نفهم، مؤكدين بذلك قول من قال بأننا مًجرد ظاهرةٍ صوتيةٍ لا أكثر. بل إنَّ من أغرب الانتقادات التي قدمت إلى النظرية هو الزعم بأنها لم تهتم أبدًا بالنبات ولا الحيوان؛ وإنما ركزت أبحاثها وجهودها على الإنسان والبحث عن أصله، متجاوزين بذلك الحقائق المُجردة حول رحلة داروين التي غيّرت العالم، ونواياه الحقيقية وراء هذه الرحلة. فقد "كان أكثر ما يُقلق داروين وصول هذه النباتات (نباتات مرتفعة الأوراق) والحيوانات (أنواع غريبة من السحالي والسلاحف) إلى هذه الجزر البعيدة المنعزلة عن القارات الرئيسية. فقد زعم علماء النبات أن بذور النباتات لا يُمكن أن تعيش في الماء المالح لمدد طويلة، فأجرى داروين تجارب على بذور بوضعها في ماء مالح بارد لمدد طويلة ، ووجد أنها تنمو طبيعياً لو زرعت بعد ذلك، وبذلك أثبت إمكان انتقال بذور النباتات مع تيارات المحيط"[6] وهكذا نرى أن اهتمام داروين الأول كان دراسة النباتات والحيوانات في المقام الأول، وقد أوضحت الدراسات لداروين ما أمكن تغييره من أنواع الكلاب والماشية والنباتات، وإمكانية إحداث تغيير في مملكتي الحيوان والنبات[7] لينكشف بذلك كذب وتدليس هؤلاء الذي لا يتورعون عن الافتراء والكذب من أجل الإبقاء على مصلحتهم في دحض النظرية، بأي شكل، ولو عبر الكذب والتدليس. ولكي نخرس ألسنة الخراصين بالكذب والجهل حول مسار اهتمام داروين الأساسي والرئيسي نقدم لهم بعضًا من سلسلة أعمال منشورة لداروين في علم النبات منها على سبيل المثال:
[تأثير التهجين والإخصاب الذاتي في مملكة النبات] - 1876
[الأشكال المختلفة للزهور في النباتات التابعة لنوع معين] - 1877
[النباتات المفترسة] - 1875
[النباتات المتسلقة] - 1875
[القدرة على الحركة في النباتات] - 1880

غير أن ما يُثير الدهشة حقًا هو هذا الهجوم الشرس تجاه داروين والنظرية التطوّرية وأتباعها الآن، علمًا بأن داروين لم يكن أول من صرّح بالأصل الواحد للأنواع، فقد تناول هذا الأمر من قبل كل من طاليس وأناكسمندر وأرسطو في كتاباتهم، وكانت هنالك العديد من النظريات التي تناولت أصل الأنواع وبداية الحياة الأولى، كنظرية عالم الأحياء الفرنسي لامارك والذي كان قد بدأ في دراسة اللافقاريات وامتدت بعد ذلك دراسته إلى الفقاريات، غير أنه لم ينجح في صياغة نظرية حول هذا الأمر ببساطة لأنه وضع فرضيات خاطئة؛ فلماذا الهجوم على داروين تحديدًا؟

إن الضربة القاضية القاصمة والرادعة لكل من يدعي بخرافات وأكاذيب لا صلة لها بنظرية التطوّر ولا بصاحبها داروين تكمن في مقدمة مترجم كتاب (أصل الأنواع) الأستاذ مجدي محمود المليجي، والتي يقول فيها حرفياً: "هذا الكتاب يتناول نشأة الأنواع الحيّة في مجموعها، ولم يأت فيه ذكر الإنسان أو القرد"[8] بل ويُضيف: "ولم يتعرض لما يتشدق به الكثيرون من أشباه العلماء الذين يدعون أنه قد جاء في هذا الكتاب وهذه النظرية ما يُفيد أن الإنسان قد كان في الأصل قرداً"[9] وهكذا نرى أن أول الآية عند هؤلاء كُفر، فكيف لنا أن نصدق بأنهم يُحاولون نقد النظرية حرصًا على الأمانة العلمية، وتخليصًا للناس من كيد اليهود الصهاينة؟ وقد عزا المُترجم هذا التخبط إلى أنهم قد لا يكونوا قد اطلعوا على الكتاب بنسخته الإنكليزية، أو أنهم لم تتح لهم فرصة الاطلاع على نسخة مُعربة منه[10]، وأنا أرى أنه كان حسن النيّة جدًا في اعتقاده ذلك، لولا أنه أطلق رصاصة الرحمة على هؤلاء عندما قال: "ولقد تبيّن لي بوضوح في أثناء قيامي بترجمة هذا المجلد، الكم الهائل من الأخطاء الشائعة والخلط بين المعاني الموجود في تعريب المصطلحات العلمية"[11]

وفي النهاية لا أملكُ إلا أن أضم صوتي لصوت الأستاذ مجدي محمود المليجي (مترجم الكتاب) عندما قال: "وأتمنى أن يقوم غيري بدوره في قراءة هذا المُجلد والتفكّر فيما جاء فيه فإن نظرية داروين الخاصة بنشأة الأنواع الحيّة وتطورها وارتقائها عن طريق الصراع من أجل البقاء، تماثل –في قلبها للمفاهيم الجامدة القديمة- ما جاء به جاليليو جاليلي (...) فإن كليهما يمثل إحدى العلامات المهمة في سبيل توجيه العقل البشري نحو التفكير العلمي السليم"[12]

بعض أدلة داروين على نظرية التطوّر:

إن من أولى الملاحظات التي تجدر الإشارة إليها عند وضعنا لفرضية مثل فرضية تشابه الإنسان مع بقية الأنواع أو الكائنات الحية هو الشبه الهيكلي الكبير حد التطابق أحياناً بين الإنسان وبقية الكائنات الحية المنتمية إلى فصيلة الثديات. "فإن معظم العظام الموجود في الهيكل العظمي (لدى الإنسان) من الممكن مقارنتها مع العظام المناظرة الموجودة في أي قرد أو خفاش أو فقمة، والأمر كذلك فيما يتعلق بعضلاته وأعصابه وأوعيته الدموية وأحشائه الداخلية، وكذلك المخ (...) فإنه يتبع نفس القوانين، وذلك ما تم توضيحه بواسطة هوكسلي Huxly وخبراء علم التشريح الآخرين"[13] ويُضيف داورين قائلاً: "ويعترف بكسوف Bischoff (الذي يُعتبر من الشهود المعارضين) أن كل شق رئيسي، وكل ثنية رئيسية في مخ الإنسان له نظيره الخاص بالأورانج[14]، ولكنه يُضيف: أن أمخاخها لا تتوافق بشكل كامل، عند أي فترة من مراحل تكوينها"[15] وقبل أن يُهلل مناهضو النظرية فرحاً فإن عليهم الصبر حتى قراءة كامل نص كلام داروين ورده على بكسوف؛ إذ يقول في رده عليه: "ونحن لا يُمكن لنا أن نتوقع أن يكون هنالك أي توافق كامل فيما بينها، وإلا فإنه يكون من المتوقع أن تصبح قدراتهما الذهنية متساوية، وقد علق فوليبان Vulipan بقوله: والفروق الحقيقية الموجودة بين مخ الإنسان وأمخاخ القرود العليا هي في منتهى الضآلة (...) فالإنسان قريب جداً [في صفاته التشريحية وفي ذكائه] من القرود الشبيهة بالإنسان"[16]

ومن الأمثلة التي يُقدمها داروين للاستدلال بالقرابة أو التشابه الكبير في الأنسجة والدم بين الإنسان والحيوانات الدنيا هو قابلية الإنسان استقبال أو نقل بعض أنواع الأمراض مثل: داء الكلب الجدري، والزهري، والكوليرا وغيرها من الأمراض، كما أن أحد العلماء لاحظ إصابة إحدى فصائل القرود بنزلات البرد تشابه تلك التي تصيب الإنسان وبنفس الأعراض، كما أنها بالإمكان الانتقال إلى طور السُل أيضاً، ويقول (=أي داروين) أن هذا الأمر هو مما يؤكد المماثلة الحميمة بين أنسجة ودماء الإنسان والحيوانات الدنيا. وفي الصورة التي تظهر هنا رسم يوضح مقاربة بين جنين الإنسان وجنين كـلـب[17]:
a) مقدمة الدماغ ونصفي كرة المخ وتوابعهما
b) الدماغ الأوسط والأربعة أجسام التوأمية
c) الدماغ الخلفي، والمخيخ، والنخاع المستطيل
d) عين
e) أذن
f) القوس الحشائي الأول
g) القوس الحشائي الثاني
h) الأعمدة الفقرية والعضلات في أثناء مرحلة التكوين
i) الأطراف الأمامية
j) الأطراف الخلفية
k) الذيل والعصعص

أحد أدلة داروين أيضاً هو ما سمّاه بالأعضاء [الأثرية] وهي الأعضاء التي تكون موجودة دون أن يكون لها أي استخدامات تذكر في الكائن الحي، ويرى داروين أن الإنسان والحيوانات العليا يشتركان في اشتراكهما في هذه الصفة أيضاً [حمل أعضاء أثرية] وبصورة متقاربة ومتطابقة تقريباً، ومن هذه الأعضاء الأثرية غير المكتملة: الثديين عن الذكور في الحيوانات رباعية القوائم، الأسنان القاطعة عند العشبيات المُجترة، ويرى داروين أن هذه الأعضاء ليست ذات فائدة تذكر، وبالتالي فإنها لم تعد خاضعة للانتقاء الطبيعي[18]

وهذا ويُقدم داروين في كتابه [نشأة الإنسان والانتقاء الجنسي] مجموعة كبيرة من الشواهد والأدلة على وجود مقاربات ومماثلات بين أنواع كثيرة من الكائنات الحية، وهو يوضح -بطريقة سهلة ومُيسرة- كيفية حدوث التطوّر، ولكن لا يُمكننا الجزم بأن مجرّد قراءة كتابي داروين [نشأة الإنسان] و [أصل الأنواع] قد يُقدم لنا إجابات شافية وكاملة عن مُجمل التساؤلات التي قد تخطر في بالنا؛ إذ علينا أن نستصحب مع هذين الكتابين قراءة وافرة وعميقة في علم الجينات والذي ساعد كثيراً في نقل نظرية التطور قفزات واسعة إلى الأمام، وعززت كثيراً من فرضياتها إلى أن أصبحت بهذا الثبات التي هي عليه الآن. إنه من الصعب فعلاً نبذ المعتقدات الراسخة والتخلي عنها، وأنا –شخصياً- أقدّر مدى صعوبة هذا الأمر، ولكن إذا كنا نبحث عن الحقيقة المجردة فعلاً، فما علينا سوى أن نقرأ كثيراً، بقلوب وعقول منفتحة، أن نسمح لنور العلم أن يتسلل إلى عقولنا، ونعطيه هذه الأفكار الثورية فرصة الإفصاح عن نفسها بكل حرية، ولنرى بعد ذلك ما إذا كانت معتقداتنا القديمة سوف تصمد أمام هذه النظريات العلمية أم لا. إنني أزعم أن مستقبل العالم الآن يتجه نحو اللادينية، فكلما تقدمت العلوم كان ذلك يعني بالضرورة اندحار الخرافة والأسطورة، وربما تصبح الأديان يوماً ما تراثاً بشرياً نتذكره بكل ألم. ربما يُفهم كلامي على أنه دعوة صريحة للإلحاد أو نبذ الأديان، ولكن صدقوني، أنا لا أسعى إلى أن أغيّر معتقد أحد، لأنني على يقين بأن الإنسان سوف يفعل ذلك من تلقاء نفسه، فقط إذا سمح لعقله بأن يفكر ويعمل بحرية ودون خوف.

لن أتلقى أيّ مُكافئة مادية أو غيبية في حال غيرتم معتقداتكم، ولكنه فقط محاولة لإظهار الحقيقة، ولا يهم بعد ذلك النتيجة التي تتوصلون إليها بأنفسكم شرط أن امتلكتم الجرأة في مواجهة النفس. لكم بعد ذلك أن ترفضوا النظرية وأن لا تقبلوا بها، فهذا لا يعنيني في شيء، ولكن يعنيني أن يكون رفضكم لها قائماً على حجج حقيقية وقوية. يهمني ألا يُضطر أحد إلى الكذب والتدليس والالتفاف على الحقيقة من أجل تشويه النظرية حفاظاً على عقيدته التي لا يرغب [لسبب ما] في عدم تغييرها، ولكن اعلموا أن بقاءكم خائفين يصب في مصلحة أُناس آخرين يسعون دائماً إلى إبقائكم تحت رحمتهم، لأن في بقائكم كذلك بقاء وديمومة لهم ولسلطتهم.


الهوامش:

[1] كتاب "أصل الأنواع"، تشارلز داروين – ترجمة مجدي محمود المليجي، المجلس الأعلى للثقافة [المشروع القومي للترجمة] – الطبعة الأولى 2004 ص16-17

[2] المصدر السابق ص16

[3] المصدر السابق ص16 نقلاً عن كتاب [تاريخ موجز للزمن]

[4] المصدر السابق ص17

[5] المصدر السابق – نفس الصفحة

[6] المصدر السابق – ص19

[7] المصدر السابق –ص21

[8] المصدر السابق –ص25

[9] المصدر السابق – نفس الصفحة

[10] المصدر السابق – نفس الصفحة

[11] المصدر السابق – نفس الصفحة

[12] المصدر السابق – ص26 بتصرّف

[13] كتاب "نشأة الإنسان والانتقاء الجنسي"، تشارلز داروين – ترجمة مجدي محمود المليجي، المجلس الأعلى للثقافة [المشروع القومي للترجمة] – الطبعة الأولى 2005 – المجلد الأول ص91 (بتصرّف)

[14] الأورانج – أورانج يوتان Orang هو إنسان الغاب، وهو فصيلة من القرود عديمة الذيل.

[15] المصدر السابق – ص91-92

[16] المصدر السابق – ص92

[17] المصدر السابق – ص97

[18] المصدر السابق – ص100

[U]المراجع :

(1) (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=397448)
(2) (http://jameswharris.files.wordpress.com/2013/02/ontheoriginofspecies_thumb.jpg?w=400&h=611)

افاتار
06-30-2014, 11:50 PM
مقال ممتاز شكرا لك :17::17: