المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البيولوجيا التطورية: عمـلاق عِـلْم الـوراثـة الـرقيـق


مُنْشقّ
10-28-2014, 01:07 PM
http://arabicedition.nature.com/thumbnails/631.jpg



كاهن الطبيعة: سيرة وليم دونالد هاملتن

أوليكا سيجِرستريل مطبعة جامعة أوكسفورد: 2013. 441 صفحة. 25 جنيهًا استرلينيًّا، أو 35 دولارًا.



كان يفتقر إلى اللياقة الاجتماعية؛ وكان عُرضةً للإصابة بنوائب الدهر؛ وكان قويم الخلق، متواضعًا، نصيرًا للمظلومين. كما كان رومانتيكيّ النزعة، يرى حالةَ البشر— في جوهرها— مأساويـة، وكان يشعر أن موطنه هو أدغال الأمازون لا بين الناس. الثقافة في نظره كانت «ثرثرة وتبجحًا». ورأى أنّ الجينات— في واقع الأمر— تتحكم في سير الأمور. وتُعَـدُّ نظريتُه القائلةُ بـ«الأهلية الشاملة» inclusive fitness— التي يأخذُ بها كثيرون— التطورَ الوحيد الأصيل الذي طرأ على نظرية النشوء والارتقاء، منذ داروين، إذ تُفسِّر الكيفيةَ التي يعمل بها الانتخاب الطبيعي، من وجهة النظر الجينات.

كان عالِم الأحياء التطوريّة البريطاني وليم دونالد «بيل» هامِلتُن (1936 – 2000) عالمَ أحياء «طبيعي النزعة» أسطوري المعرفة، خاصة بمجال الحشرات؛ وكان شخصًا بطبيعة مركبة، تجمع بين الفظاظة والحنان. وكان باحثًا عن الحقيقة لا يكل ولا يمل، حتى إنه التزم أعلى المعايير عند وَضْعه لأوراقه البحثية التي يقدمها للنشر، والتي كانت غالبًا ما ترفض. وقد كانت مجلة «نيتشر» من أشهر المجلات التي رفضتها. أما الآن، فإن أوليكا سيجِرستريل، عالمة الاجتماع، تقدِّم في كتابها «كاهن الطبيعة» أوَّلَ سيرة ذاتية لحياة عملاق رقيق له روح شاعر.

وليم دونالد هاملتُن قبل وفاته ببضع سنوات.
وليم دونالد هاملتُن قبل وفاته ببضع سنوات.
JAMES KING-HOLMES/SPL
طرح هاملتُن أسئلة كبيرة، قـدَّم لها إجابات لا تقل عنها درامية: من أين تأتي سمةُ «الإيثار»؟ ولماذا كان الجنس؟ ولماذا تنجذب الإناثُ إلى الذكور؟ وكيف نشأ التعاون في الطبيعة؟

بعد حشد الأساليب الرياضية— ولاحقًا النماذج الحاسوبية— في خدمة قوة ملاحظة حادة وقدرة على النظر إلى العالم من وجهة نظر أصغر الكيانات وأدق المخلوقات –كالزنابير والفيروسات والجينات—توصل هاملتن غالبًا إلى حلول غير بديهية. فممارسة الجنس لا تزيد عن كونها عملية تكيـُّف؛ لتجنب صفات غير مرغوب بها، حيث البشر وغيرهم من مزدوجي الصبغيات باعتبارهم «طوائف أنماط جينية»—على حد تعبيره— ملتزمون بتبادل حر وعادل للتقنيات الكيميائية الحيوية لاستبعاد الصفات المتطفلة». التعاون البيولوجي لعبة يمارسها الأنانيون، ليس إلا؛ والجماليات هي علامة على سمات وراثية جيدة، يراد بها جذب القرناء للتزاوج.

وكما كان هاملتُن مثقفًا ومتهورًا عقليًّا وماديًّا، كان أيضًا وغالبًا مشوَّشًا ذهنيًا ومكتئبًا أحيانًا. وباستخدام صدمة مظهرِه الشبيه بإنسان الكهف، بشعره الأبيض الكثيف، اشـتهرت عنه الغمغمةُ بصوت خفيض، مُوَليا ظهره للحضور، في محاضراته المتعذرة إجمالاً على الفهم بالولايات المتحدة وبريطانيا. وكان يلازمُه شعورٌ بالوحدة، وأنّ أحدًا لا يفهمه. وبرغم سخاء غير معتاد في اعترافه بفضل آخرين على أفكاره الخاصة الفياضة كينبوع، كشفت المؤلفة سيجرستريل عن غلو في الغيرة من آخرين حول الصدارة، وعن ذهنية براني لامنتم تَمَثلها طويلاً، بعد ذياع صيتُه.

ليس سهلًا تجنُّب التأثر بمزيج هاملتن من الهَوَس، والإخلاص، وسرعة التأثر، والعزلة. بل الأصعب هو الإقدام على كتابة سيرة لرجل موهوب فوق المعتاد ككاتب بذاته، وخلَّـفَ لنا سيرته الذاتية بصدقها المُوجِع، عنوانُها «دروبُ أرضِ الجينات الضيِّقة»؛ وقد وضع منها مجلدين، تبعهما مجلد ثالث أُعِـدَّ للنشر بعد وفاة مؤلفه. وسيكون للقراء عذرهم عندما يلاحظون أن سيرة هاملتن بقلم سيجرستريل تبدو متكئة—بشكل كبير— على تلك المجلدات، التي وردَ بها قولُه عن نفسه: «إنني أميل أكثر إلى أنْ أُشبه طائرًا لا تمساحًا، أتعهد أفكاري حتى نضجها قبل أن أطلقها». وحدث أن مَرَّ هاملتن بزهرة صفراء من نوع «زهرة الشيخ»، تُكافح لتنمو مشرئِبَّةً من شَقٍّ بأسفلت شارع بلندن، فكتب يقول: «إن طفلاً يصرخُ لم يكن لِيَمَسّ شغافَ قلبي مثلما فعلتْ تلك الزهرةُ»؛ وكان ذلك قولًا مانعًا يصعب الإتيان بما يفوقه.

في بعض مواضع هذه السيرة، تؤدي قلة التعويل على المصادر الثانوية إما إلى الحدس (حيث سعى ج. ب. س. هالدين لإثبات أن الإيثار يتطابق مع الانتخاب الطبيعي نظرا لميوله السياسية نحو اليسار) أو إلى ضبابية الحقائق والمعطيات (بافتقاد التأثير الحاسم لدراسة جورج برايس حول التغاير والتي تتناول رؤية هاملتن للانتخاب الزمري group selection). كذلك، فإن المعالجة المنتقصة لإرث هاملتن الفكري يُفقد القارئ سياقًا أرحب. في السنوات القليلة الماضية، شهدت صفحات مجلة «نيتشر» جدلاً حاميًا بين مؤيِّدي نظرية هاميلتون عن انتخاب القرابة ومناهضيها، لكن سيجرستريل اختارت ألّا تخوض عميقًا في هذا الجدل. ولو فعلت؛ لَأوضحت مدى كون رؤى إي. أو. ويلسُن الراهنة—عن تطور «التراتبية الاجتماعية» بسلوك الجماعات الحيوانية المنظمة— عودة لأفكار هاملتن.

كان هاميلتون، بحق، باحثًا عنيدًا عن الأنماط، ورجلاً «انشغلَ دماغُهُ دائمًا بالتطور»، بحسب سيجِرستريل، وإنْ كان يشتطُّ في ذلك أحيانًا. من أمثلة ذلك، تطبيقُه للمذهب الجيني (geneticism) ناسبًا بتطرف كل صفات الإنسان لجيناته. واحتراسًا من الآثار السلبية للطب الحديث على الرصيد الجيني البشري، دعا هاملتن—بلا اعتذار— لوأدِ المواليد ذوي الصفات الوراثية الضعيفة. هذا المثال الذي يظهر أن هاملتن— المتفرد عادة—لا يتمتع بأي فرادة، ويبدو ملتحقًا بطابور طويل من الدعاة السذّج إلى اليوجينا (تحسين النسل جينيًا)— مما يستدعي نقدًا مستقلاً موضوعيًّا أكثر مما تقدمه هذه السيرة.

ومع ذلك، فقد نجحت سيجِرستريل— عبر تنقيب الرسائل وإجراء مقابلات دقيقة مع أفراد أسرة هاملتن وزملائه وأصدقائه—في استحضار بيل هاملتن، بكل جوانب شخصيته، مما سيجعل الجمهور ممتنًا. «أشعرُ بالخجل، لأنني— عمليًا— أجد نفسي أنانيًا أكثر مما يسمح المثال الذي أتوق إليه»؛ على هذا النحو يسوق الرجل— الذي كان الإيثار جزءًا من فكره— اعترافًا يحرِّك القلب، في رسالة طويلة— يشوبها جنون العظَمة— إلى جون مينارد سميث في 1977، يلومه لأنه لم يُقـرّ له بالفضل على نحو يُرضيه، فيما يخصُّ فكرته عن الأهلية الشاملة. كما أن والدة هاملتن— وكانت طبيبة—رصدت لديه أعراضَ متلازمة أسبرجر Asperger’s syndrome (أحد اضطرابات التَّوَحُّد)، من خلال شمائل من صنـف الأفكار الوسواسيّة التي كانت تعاوده، عن ضرورة أن يظلَّ في المقدمة؛ واستغراق ذهني في النماذج النمطيّة، وخط يده المنمنم، وتركيزه على الأرقام والتفاصيل. وكان ذاته يعتقدُ— ببلاغة مؤثرة—أن المرء عندما يكون (مختلفًا)، وليس (مثل الجميع)، يصبح مسؤولاً عن رؤيته للطبيعة.

وأيًا كان حقيقة هذه الافتراضات، فإن ترجمة سيجِرستريل لحياة هاملتن هي—في نهاية المطاف— احتفاءٌ بعُمْـر أمضاه في العِلْم كائنٌ بشري عميق الإحساس، كان «ضحية التطور»، كما وصف نفسَه. في برنامج الطبيعة الشامل، أدرك هاملتن أن حياة الإنسان زائلة لا محالة؛ وهذا هو ما قاله شاعِرُه المُفضَّلُ إيه. إي. هاوسمَن:


«أما عن الطبيعة القاسية

فإنها لن تعرف، أو تهتمّ:

إن كانت قَدَما الغريب ستعرف طريقها إلى المرج

أو أنهما هناك يتجاوزان حدودهما ثمّ يمضيان،

ولن تسأل، في خِضَمِّ أنداء الصباح:

إن كانتا قدماي أم لا».

برغم كل شيء، عاش بيل هاملتن حياة جديرة بأنْ نتذكَّرها.



المصدر:

مجلّة الطبيعة، النسخة العربيّة.

http://arabicedition.nature.com/journal/2013/04/495313a

ليل
10-28-2014, 03:48 PM
«أما عن الطبيعة القاسية
فإنها لن تعرف، أو تهتمّ:
إن كانت قَدَما الغريب ستعرف طريقها إلى المرج
أو أنهما هناك يتجاوزان حدودهما ثمّ يمضيان،
ولن تسأل، في خِضَمِّ أنداء الصباح:
إن كانتا قدماي أم لا».
ولكن الطبيعة تنتقي وتختار للحياة، للبقاء، من كان مؤهلاً من الكائنات الحية للتكيف مع بيئته، ولم تخطئ الطبيعة قط فتنتق من كان غير مؤهل للتكيف ليبقى.
فهل هذا عدل أم قسوة وظلم؟
فهل هذا تبصر من الطبيعة أم خياطة في عمياء؟