شبكة الإلحاد العربيُ

شبكة الإلحاد العربيُ (https://www.il7ad.org/vb/index.php)
-   حول الحِوارات الفلسفية ✎ (https://www.il7ad.org/vb/forumdisplay.php?f=6)
-   -   "لو شاء الله ما أشركنا... فلو شاء لهداكم" ثنائية كلية القدرة والعدل (https://www.il7ad.org/vb/showthread.php?t=16108)

faryak 03-21-2019 10:22 AM

"لو شاء الله ما أشركنا... فلو شاء لهداكم" ثنائية كلية القدرة والعدل
 
وهذه من المسائل القديمة التي افترق (والمصطلح إسلامي) بسببها المتكلمون الأوائل ولعن بعضهم بعضًا...

مما يثير الإعجاب في النص القرآني عدم احتفاله بالمسألة، وانظر إلى الطرح والرد في سورة الأنعام:

" سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ "

ونحن نطالع أمثلة أخرى لعدم الاحتفال هذا في النصوص الحديثية التي يقرها أهل السنة، فنقرأ مثلًا في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق:

" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ "

ولم يدم هذا "النهي" طويلًا، فسرعان ما وجد المتكلمون (أي المشتغلون بعلم الكلام) مخرجًا يبعدهم عن دائرة الاقتصار على الاستعاذة والانتهاء، وهو (أي هذا المخرج) أن المشنعين على الإسلام من أهل الفلسفة بخاصة لا يصح في خطابهم ما يصح في كلام العامة، ولا ينتهون وتقام عليهم الحجة إلا بمثل أدلتهم - ونحن نعرف أن هذا السعي لـ"إقامة الحجة" على كل أحدٍ قد انتهى بنزاع داخلي في المعسكر الإسلامي نفسه نتج عنه الكثير من الفرق والطوائف الإسلامية من لدن المرجئة والمعتزلة حتى تصل إلى النورانيين في العصر الحديث.

على أية حالٍ نرجع لموضوع التوفيق (المطلح إسلامي كذلك) بين قدرة الخالق الكلية وحق الإنسان في الاختيار المترتب عليه استحقاقه للعقوبة.

هل يستطيع الخالق كلي القدرة (في النظر العقلاني) أن يتيح مساحةً لنوع من المخلوقات تختار فيها بشكل حر ما تصير مسئولة كليًا عن وقوعه؟

لدينا هنا أجوبة ثلاثة لفرق إسلامية ثلاثة يدور في فلكها فرق أصغر:

الجواب الأول : لا، لأن هذا يؤدي إلى لزوم الدور( paradox)؛ فالإله كلي القدرة، وعليه فبوسعه فعل ما يشاء، ومِنْ هذا الذي يسعه أن يفعله ما يقيد من قدرته الكلية، ومن ثم فهو ليس كلي القدرة، ومن ثم فهو غير قادر على فعل كل شيء، ومن ثم فلا يسعه أن يفعل ما يقيد من قدرته الكلية، وهلم جرًّا.. فيجب بطلان الفرض الأول حتى لا نصل إلى لزوم الدور - وهذا هو اختيار الجبرية ومن تابعهم.

الجواب الثاني: نعم، وليس في ذلك ما يتناقض مع قدرته الكلية، ولكن العدل في معاقبة المخلوق بما يسعه تجنبه أو إتيانه (الحق في الاختيار) يستوجب أن يكون الفعل صادرًا عن المخلوق المختار- وهذا هو اختيار المعتزلة (المحسوبون على العقلانية) ومن تابعهم (وعلى رأس هؤلاء الشيعة الإمامية).

الجواب الثالث: نعم ولا، فالمخلوق مختار يسعه الفعل أو الامتناع عنه، ولكن هذا الاختيار لا يصل مباشرة إلى مرحلة النفاذ، بل لا بد أن يقره الخالق أولًا.. ومن هنا فمساحة الاختيار متاحة على مستوى معين، وغير متاحة على المستوى الأعلى منه- وهذا هو اختيار الأشاعرة ومن تابعهم.

بالطبع فالفرق الثلاثة يدور جدالها حول "التوفيق" بين أمر ثابت غير قابل للدفع- وهو وجود الخالق كلي القدرة كلي العدل- وما يتوافق معه _من وجهة نظر كل منهم_ من طبيعة أفعال العباد المخلوقين المحاسبين على أفعالهم.

لماذا صار وجود الخالق كلي القدرة كلي العدل أمرًا ثابتًا غير قابل للدفع؟ هذه معركة أخرى تخوضها هذه الفرق بمعزل عما يترتب عليها بعد ذلك من مثل هذه القضية.

فهم يبدؤون بطرح القضية الأولى الرئيسية: وجود الله. فإذا "أثبتوها" بنَوا عليها. ولهذا ففي مسألة كهذه لا يطرح الحل الأكثر عقلانية وهو: صعوبة أو استحالة التوفيق بين فكرة الإله كلي القدرة وحرية البشر في الاختيار. لأن هذا الحل قد "ثبت" بطلانه في أول الكتاب.. أو في أول المناقشة.. أو أيًّا تكن.

لهذا قلْتُ في بداية هذه المشاركة أن الرد القرآني والحديثي مثير للإعجاب؛ لأنه _بالعامية_ أخذها من قاصرها: أنت تؤمن بإله كلي القدرة؟ هذا كلامه! اسمع وأطع وانتهِ خيرًا لك.
وإن لم تكن تؤمن بهذا الإله؟ فله الحجة البالغة، فلو شاء لهداك إلى الإيمان به.
ولكن كيف؟ انبعاث هذه الكيف وإجابة هذه الكيف كلاهما داخل في مشيئته هدايتك من عدمها.
ارتجف خوفًا منه فإنك لا تملك شيئًا وهو يملك كل شيء- وقد هداك فاسأله الثبات.. ولو شاء لأضلك- وليس لك من الأمر شيء... وإن يوسوس لك الشيطان ما يزعزع إيمانك فاستعذ منه وانتهِ.
وماذا عن نظرتك للكون؟ مَنْ أنت حتى تنظر وترى؟! ما بلغه عقلُك مما يوافق كلامه فله الحمد أن هداك له، وما كان خلاف ذلك فقصور من عقلك الضعيف يُسْتَحى منه ويُحْمَدُ على ستره واطراحه أرضًا..

كما ترى.. جبار متكبر(والتوصيف قرآني) يأمر عبدًا خاشعًا مشفقًا (وثلاثة الألفاظ قرآنية كذلك) .. فمن أين يأتي الحق في السؤال والمراجعة!

قل ما شئْتَ على انعدام المنطق في هذه "المجادلة"، ولكنها منسجمة مع ما نعرفه نحن عن دنيا البشر: متى بلغ فرد السلطة المطلقة دان له من تحته لا بأفعالهم فحسب، بل بألسنتهم ومدحهم وثنائهم كذلك.. ولو استخبَرْتَ قلوبَهم لأخبَرَتْكَ ما قاله شوقي:

ودعوى القوي كدعوى السباع ……… من الناب والظفر برهانُها!

أتريد أن تقول إن خالقًا مفترضًا لا يقدر على ما يقدر عليه رئيس الجمهورية؟!!


الساعة الآن 10:24 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd diamond

 .::♡جميع المشاركات والمواضيع المكتوبة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ,, ولاتعبر عن وجهة نظر إدارة المنتدى ♡::.


Powered by vBulletin Copyright © 2015 vBulletin Solutions, Inc.