عرض مشاركة واحدة
قديم 12-18-2018, 06:03 PM لؤي عشري غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [22]
لؤي عشري
باحث ومشرف عام
الصورة الرمزية لؤي عشري
 

لؤي عشري is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى لؤي عشري
افتراضي

النصوص المسيحية الأصلية لأسطورة أهل الكهف

بقلم وترجمة سامي المنصوري – مع ترجمتين إضافيتين وتعديلات للؤي عشري

الأبحاث الأثريّة:

اكتشف العالمان Miltner Franz و J. Keil بين سنوات 1923 و 1937 موقع الكهف الاصطناعي المزاري التذكاري grotto وفيه ما زعم القدماء أنها القبور السبعة وذلك قرب إفسوس (مدينة Selçuk الحالية) في تركيا الحالية على جبل بيون المعروف بجبل سيليون Mount Pion (Mount Coelian)، ويعرف حاليًّا بالاسم التركي Panayir Dagi. وهو بقايا معبد كهف اصطناعي مزاري grotto استطاعوا أن يحدّدوا تاريخ بنائه تقريبا سنة 450 ميلادي، أو بما بين القرنين الخامس والسادس حسب تقديراتٍ أخرى، ويعتقد أن أسطورة فتيان إفسوس السبعة النيام بدأت وانطلقت وشاعت من مدينة إفسوس، وحول المكان مئات المقابر الأثرية المكتشَفة لأن المسيحيين كانوا يحبون أن يُدفَنوا بجوار هذا المكان المنسوب له الأسطورة.

مخطوطات الأسطورة المسيحية

المخطوطات المتوفّرة (1) والتي تتحدّث عن قصّة أهل الكهف تنقسم كالتالي: (كلّها مكتوبة بين القرن التاسع و الثالث عشر ميلادي)


-104 مخطوطة باللاتينيّة.

-40 مخطوطة يونانيّة (منها عشر روايات مختلفة)

-33 مخطوطة عربيّة (منها 8 مسيحيّة في 6 روايات مختلفة)

-17 مخطوطة سريانيّة(8 روايات مختلفة)

-6 مخطوطات أثيوبيّة/حبشيّة (3 روايات مختلفة)

-5 مخطوطات قبطيّة.

-مخطوطتان أرمنيّتان.

-مخطوطة إيرلنديّة.


أهم مؤرخين رويا الأسطورة

بيد أنّ أهمّ المؤرّخين الذين كتبوا الأسطورة في كتبهم هم كالتالي كما يقر الباحثون، وقد وصلتنا عن غيرهم أيضًا:


(2) GREGOIRE DE TOURS كتبها باللاتينيّة الأسقف

-كتبها بالسريانية الأسقف يعقوب السروجي (3)

أصل القصّة


-الباحث HUBER يرى أنّها كتبت باليونانيّة ثمّ نقلت إلى اليونانيّة ثمّ السريانيّة.(4)

-الباحثون DE GOJE و RYSSEL و GUIDI و PEETERS و HONIGMANN يرون أنّ الأصل يونانيّ (5)

-الباحثون NOLBEKE و HELLER و ALLGEIER يرون أنّ الأصل سرياني (6)


وجهة النظر التي يتبنّاها العلماء الآن هي أنّ القصّة كتبت في البداية باليونانيّة ثمّ نقلت إلى اللغات الأخرى و ينسبونها إلى القدّيس إتيان في القرن الخامس ميلادي.(7)


واعتمادا على أهمّ مصدرين وأكملهما لهذه القصّة وهما جرِجْوَار دي تور (جريجوري دي تور) 587 ميلادي باللاتينيّة و يعقوب السروجي 520 ميلادي بالسريانيّة فإنّنا سنترجمهما و من ثمّة نقابلهما بالنصّ القرآني لنتبيّن حقيقة الأمر.


سنبدأ بالنصّ السرياني، ثمّ النصّ اللاتيني.


النص السرياني – قصيدة يعقوب السروجي (1)

ترجمة لؤي عشري لترجمة إنجليزية للقصيدة السريانية نقلًا عن
Seven Sleepers of Ephesus, by Jacob of Seruqh, translated from Syrian by Wikisource

The Seven Sleepers form the subject of a homily in verse by the Edessan poet-theologian Jacob of Serugh (died 521), which was published in the Acta Sanctorum. Another sixth-century version, in a Syrian manuscript in the British Museum (Cat. Syr. Mss, p. 1090), gives eight sleepers. There are considerable variations as to their names.

توجد مخطوطتان لقصيدة يعقوب السروجي الرهاوي (توفي 521م) عن أسطورة فتيان أفسس النائمين، أحدهما نُشِرَتْ في كتاب Acta Sanctorum والأخرى مخطوطة نسخة سريانية تعود إلى القرن السادس محفوظة في المتحف البريطاني. وهناك اختلاف معتبَر بين المخطوطات حول عدد فتيان الكهف الأسطوريين.

نص القصيدة:



ابن الله، يا من بابه مفتوح لمن يدعوه

افتح بابَكَ لي [تقبَّلْني]، حتى أؤلف ترنيمة عن أبناء النور [أهل الكهف]

من يختار قطيعَه لنفسِهِ هو الراعي الصالح،

وهو من يجعل الذين ينتصرون يجتمعون معه في المساكن السامية [السماوية]

مبارك هو الزارع [المسيح]، الذي يختار البذورَ لقمحِهِ من بين الزؤان

ويبذرها في حقل السماوات الحيّ الذي هو في الملكوت
كلامي عن فتية إفسوس، أبناء النبلاء، يجب أن يقالَ لناسٍ يُصغُونَ.

استمعوا لي أيّها العاملون وغنوا أيها البنون تسبيحة عرسهم [استشهادهم] [أهل الكهف]

ترك الامبراطورُ دسيوس مكانَه وارتحل من مكان إلى آخر، ليطلع على مدن وقرى امبراطوريّته. وإذ دخل إفسوس، تسبب لها بخوف كبير، وأقام احتفالًا بزيوس و أبولو وأرتميس

وكتب رسالةً لأمراء امبراطوريته، بأن كلّ الناس يجب أن تأتي لتحرق البخور للآلهة. فاحتشد القادة والشيوخ والشباب والأطفال، وقدموا البخور للأصنام الخرساء المصنوعة بالأيدي


و كان هناك فتية محبوبون، أبناءُ نبلاءَ رفضوا شريعته ولكي لا يرافقوا هؤلاء الناس
تواضعوا وبعدما دخلوا بيت يشوع [اهتدوا]، اختبؤوا عن هذا السخط لكي لا تدنسهم الرائحة النتنة للبخور النجس

فرآهم رفاقهم ورفعوا وشايةً ضدهم إلى الامبراطور:

"انظر هناك فتيانٌ يقاومون أمرَكَ".

سمع الملك هذا واضطرم بالغضب ضد النبلاء، وأمر بجلب الفتيان عنده ليراهم

راحت الذئاب تركض وقبضت على الخراف من وسط القطيع

و بسرعة جلبوهم إلى بصر الملك

رأى الملك نُبلَهم فقال لهم بطريقة مُغْوِيةٍ:
قولوا لي، أيها الفتيان، لماذا عصيتم أمري؟ اقتربوا وقدّموا قربانَكم وسأجعلكم من النبلاء

قال ابن الوالي [أو الضابط، والعدد معه يصبح ثمانية] ومعه أصحابه السبعة:

نحن لا نعبد أصناما صمّاء من صنع أيدي الإنسان
ربّ السماوات موجود وسوف يعيننا

إننا نعبده ونقدّم له طهارةَ قلوبنا

وأنت آلهتك بالتأكيد هم أبولو و زيوس و أرتميس

أما نحن فلدينا الأب والابن وروح القدس

أمر الملك بضربهم بالعُصِيِّ، ثمّ من جديد أمر بصرفهم لحين عودته

الملك كان مستعجِلًا لرؤية باقي مدن وقرى مملكته

لذلك السببِ، خرج من إفسوس لأعمالِه على أن يعودَ

أما الفتيان المحبوبون فتشاوروا فيما بينهم:

فلنغادر ونهرب من مدينة الأفسوسيين [الإِفْسِيِّين]

قبل أن يعود الملك الملعون ويعذِّبَنا

كان هناك في المنطقة كهف ذو تجويف داخلي على جرفٍ على قمة جبل
وقرر الفتيان المحبوبون الاختباء فيه.

لقد أخذوا معهم بعضَ أموال آبائهم، ليُحبَسوا في ذلك المكان ويُمَجَّدوا.
لم يحملوا معهم ثيابًا قيَّمةً بل قديمةً، حيث لم يكن هناك حاجةٌ للثياب الفاخرة، كما ارتَأَوْا.
وحملوا معهم بعض عملات الامبراطور الوثنية الفضية، لأن من لا يحمل عملات معدنية تحمل العلامة قد يُعتقَل ويُسْجَن.

لقد تسلقوا الجبلَ وبعدما دخلوا الكهفَ قضَوْا هناكَ الليلةَ، ودَعَوْا اللهَ بصوتٍ مُتَأوِّهٍ وتحدثوا هكذا:

"نصلّي لك أيّها الراعي الصالحُ، يا من اخترتَ خرافَكَ، احمِ قطيعَكَ من ذلك الذئب المتعطّش لدمائنا".

رأى الربُّ إيمانَ حِملانِه الحبيبةِ وجاءَ ليكافئَهم مكافأةً صالحةً

أخذ أرواحهم ورفعها إلى السماء

وترك هناك ملاكًا يحرس أطرافَهم

عاد الامبراطور وبعدما دخل إفسوس، سأل:

"أين الفتيان الذين تمردوا على الأمر؟"

فأجابوه، قائلين: "انظر، إنّهم يختبؤون على قمّة الجبل، في كهف".

فأمَرَ بمجيء الرجال المحترفين بآلاتهم، ودحرجوا الصخور بآلات الحصار الخاصة بهم ووضعوها على المدخل [الخاص بالكهف].

وكان هناك حكيمان [فيلسوفان] ابنا نبيلين

مقتنعان بأنّ الربّ سيبعثهم مرّة أخرى

فصنعا ألواحا من الرصاص وجعلاها بجانبهم

كتبا عليها أسماء أبناء النور وسبب دخول الفتيان الكهفَ واختبائهم، وزمن اختبائهم لفترة من أمام دِسيُس.

مرّ عصر الملوكِ الوثنيينَ وانتهى حكمُهم

وأراد الربّ أن يوقظ أبناء النور

وكان هناك في نفس المكان رجلٌ غنيٌّ في إفسوس، والذي أراد أن يبني حظيرة لقطيعه على قمة الجبل، فجمع [عمالُه] الصخور وبنوا سورًا في ذلك المكان لقطيعه، ورأوا الصخور المقطوعة [الضخمة] وحرَّكوها.

دخلَ النورُ وأيقظَ أبناءَ النورِ، فنَفَضُوا النومَ عن أنفسِهِم وجلسوا علی الأرض وشرع الفتيان المحبوبون في التشاور فيما بينهم: "والآنَ من سينزل ويری ما إذا كان الامبراطور قد عاد، ويعلَمُ ما هو أمرُه بخصوصِنا، وما إذا كان افتَقَدَنا أم لا، ويرُدُّ لنا خبرًا؟”. قال واحدٌ من بينِهِم يُدْعَی إيامليخُس: "سأنزل وأكتشف، وفي هيئة شحاذٍ سأدخلُ القصرَ وسأعلم ما قد أمر به بخصوصنا". أجابوه قائلين: "خذ مالًا واجلبْ معكَ بعضَ الخبزِ؛ لأننا منذُ ليلةٍ ليس لدينا خُبزٌ ولم نأكُلْ".

أسرع الفتی النزولَ منَ الجبلِ، وذهَبَ إلی المدينةِ، ودعا اللهَ بتأوُّهٍ، قائلًا: ”نسألك -أيها الراعي الصالحُ- يا من اخترتَ خرافَكَ، احمِ قطيعَكَ من الذئبِ المتعطش لدمائِنا". وعندما رفع عينيه رأی الصليبِ فوق بوابة المدينة، فأدارَ رأسَه وبجَّلَه ببكاءٍ، وبدأَ في النظرِ حولَهُ، لكي لا يراه بالصدفةِ أحدُ الوثنيين. وبدأَ يفكِّرُ محدِّثًا نفسَهُ: "ما هذا الذي بالأعلی؟ لأن في المساء كان الصليبُ يُخَبَّأُ منَ الوثنيين، وانظُرْ! اليومَ يوضَعُ علنًا علی البوابة؟". مضی الفتی وذهَبَ إلی بوابةٍ أخری، ورفع عينيه فرأی أيضًا صليبًا فوقَ تلك البوابة، وبدأ يقول [لنفسِهِ]: "لقد فقدتُ عقلي، لقد جُنِنْتُ وصرتُ غيرَ عاقلٍ. أتعتقدُ أن هذه هي مدينة أفسوس تلك التي نشأتُ بها؟". وأبصرَ رجلًا جالسًا في الميدان، فاقترب منه وسأله: "قل لي -أيها السيدُ الكريمُ- ما هذه المدينة؟". فأجابَ: "هذه المدينة تُسَمَّی إفسوس". لكنه وقف مدهوشًا مفكِّرًا في عقلِهِ فيما حدث للمدينةِ. فاستمر في الركض عبر الطرقات ولم يحِد عن المسارِ، حتی وصل إلی القصرِ ووجدَ أنَّ البواباتِ مغلقةٌ أمامَه. فاستدارَ إلی المَيْدانِ [السوق] ليتمكن من شراءِ بعضِ الخبزِ ويعودَ بهِ. فأعطی المالَ الذي أخرجَهُ من كيسِ نقودِهِ. فأخَذَهُ الرجلُ الذي كان يبيع الخبزَ ونظَرَ إليه عن قربٍ [بتملٍّ ]، وأومأَ إلی رفيقِه لكي يأتي ويراه. ومضی المالُ بينَ أيدي خمسةِ رجالٍ، وبعدما تأمَّلُوهُ، بدأوا في الهمهمة فيما بينهم بصدِدِه. ورآهم الفتی يهمهمون فيما بينهم، فقال مجيبًا: "أعطِني الخبزَ، إن كنتَ ستُعْطِيه، وإلا فسأرحل". اقترب الرجلُ الذي كانَ يبيعُ الخبزَ وأمسَكَ به، قائلًا: "قل لي -يا فتی- من أينَ أنتَ، وما وطنُكَ، وسلِّمْنا الكنزَ الدفينِ الذي قد وجدتَهُ لكي نتقاسم كلُّنا حصةً منه. أمَّا لو رفضتَ إخباري فسوفَ أجعلُكَ يُقبَضُ عليكَ". فأجابَ الفتی: "أنا لم أرَ أيَّ كنزٍ قط، ولا أعلمُ أيَّ شيءٍ عنه علی الإطلاقِ". امتلأ سوق الإفسِيِّين بصخَبٍ منَ الأصواتِ، لأنهم قالوا: "انظر، لقد وجَدَ الصبيُّ كنزًا" وأمسَكُوا به فورًا. وصل الخبرُ إلی الكنيسةِ المقدسةِ؛ إلی الأسقفِ، فأرسلَ أنَّهم يجب أن يأخذوه [الصبيَّ] بأيديهم، واستجوبه [قائلًا]: "قلْ لي -أيها الفتی- منْ أينَ أنتَ، وما وطنُكَ، وأين مسكنُكَ، وأين ذخيرةُ الكنزِ الذي يقولونَ أنكَ وجدتَهُ؟". فأجابَ الفتی: "أنا من إفسوس نفسِها، وأنا ابن روفوس المختارِ، الذي هو أحدُ النبلاءِ". وبدأَ إيامليخُس ينظرُ حولَهُ في الحشدِ، ليری إن كانَ قد يتعرَّفُ إلی أحدٍ من بيته أو أسرته أو إخوته او قريب له أو ناسًا ممن عرفهم من الذين يزورون أباه، والذين قد يأخذونَه منْ بينِ أيديهم. وعندما لم يرَ أحدًا منْ عشيرتِهِ ولا أسرتِهِ تدفقَّتْ الدموعُ منْ عينيه وبدأَ في البكاء.

وكان هناكَ حكيمٌ موجودٌ في الكنيسةِ المقدسةِ والذي جذَبَ الفتی وسألَه بحكمةٍ: "قلْ لي الحقيقةَ -يا بني- اكشف لي ووضح لي من أين أنت، ولا تخبئْ عني". فقال الفتی: "سأخبرك الحقيقة، لكنْ اكشفْ لي ووضِّحْ لي الأشياء التي أسألُكَ عنها بصدقٍ. أجِبْني وقلْ لي: أينَ الامبراطور دِسْيُسْ؟ وبحقٍّ بعد ذلك سأكشفُ لكَ أموري بدوري". عند سماعِهِ هذا، تعجبَ الحكيمُ بشدةٍ واغتاظَ من الفتی الذي كشفَ له أشياءً عظيمةً، فقال له: "يا عديم القيمة، يا غير مستحقٍ للذِكر، إنكَ تستحقُّ الموتَ، أتسخَرُ مني؟ هل أبدو لك كصبيٍّ عمره سنتان؟ إنَّ الرجلَ الذي تتكلم عنه مات منذ زمنٍ طويلٍ للغاية، ووفقًا لعدِّ وحسابِ الجريكيين [اليونانيين]۠ يُعتَقَدُ أنه قد مرت ٣٧٢ سنةً منذُ عصرِ ذلكَ الامبراطورَ".فقالَ الصبيُّ: "بالتأكيدِ أني ورفاقي قد هربنا منْ ذلكَ الامبراطورِ، وانظرْ لقد نمتُ علی قمةِ الجبلِ كما فعلَ رفاقي".

اجتمَعَ الأرستقراطيون والشيوخُ والنبلاءُ وحتی الصبيانُ ليصْعَدُوا ويَرَوْا كنزَ الحياةِ الذي كُشِفَ لهم. وانتشر النداءُ في كاملِ أرجاءِ مدينةِ الإفسيِّينَ وما جاورَها، قائلًا: "تعالوا وشاهدوا الكنزَ الذي قد كُشِفَ لنا".سمِعَ الفِتيانُ الذينَ في الكهفِ، وتحركوا خائفين، معتقِدين أنَّ الامبراطورَ قد أرسلَ مُتَعَقِّبينَ [أو أتباعًا] للقبضِ عليهم. فطمآَنَهم ابنُ الضابطِ، قائلًا لهم: "انهضوا واطمئِنُوُا وضعوا درعَ الإيمانِ، ولنثِقْ في اللهِ، لأنه يساعدُنا ويُقَوِّينا ويُرْشِدُنا وفقًا لمشيئتِهِ". وبينما كان يشجعهم، دخَلَ الفتی ووقفَ في وسطِهم، وجاءَ الأسقفُ والأرستقراطيون معه في نفس الوقت، فرَأَوْا الفتيانَ جالِسِينَ علی الأرض، فحيوهم، قائلين: "السلامُ لكم". وكتبوا رسالةً فورًا إلی الامبراطورِ ثيودوسيوس، قالوا فيها: تعالَ وشاهِدْ كنزَ الحياةِ الذي كُشِفَ لنا". فأسرعَ الامبراطورُ وجاء ورآهم وحيَّاهم، قائلًا: "السلام لكم". ثم أخذَ لوحًا من رصاصٍ وشرَعَ يكتُبُ روايةً عن سبب دخولِ الفتيانِ الكهفَ وإغلاقِهِ عليهم. ثم دعاهم الامبراطورُ للنزولِ معه إلی إفسوس، لأنه كانَ يُخَطِّطُ لبناءِ معبدٍ علی مكانِهم. فأجابوا، قائلين: "سنظلُّ في هذا المكان، لأننا نحبُّ هذا الموقعَ. لقد أمرَنا راعي قطيعِه نفسُهُ أنْ نكونَ في هذا المكانِ. ولأجلِكَ -انظر- أيقظَنا ربُّنا المسيحُ، كما تری، وأقامَ دليلًا علی أن القيامةَ ستحدثُ حقّا [....تلف في المخطوطة، وفي الترجمة الفرنسية التي ترجمها سامي منصوري: نزع الملك (......)[الكلمة ناقصة و يراها المحقّقون :رداءه] و غطّاهم به ليتمّوا نومهم]، وتركَهُم، وارتاحوا في ذلك النومِ الأبديِّ. تباركَ الراعي الذي يفصل قطيعَه الخاصَّ بهِ، ويجعلهم وراثي الزواج [السماوي] والفردوس والملكوتِ الأبديِّ.


النص السرياني – قصيدة يعقوب السروجي (2)

ترجمة سامي المنصوري للقصيدة نقلًا عن ترجمة فرنسية للأصل السرياني


ابن الله، يا من تفتح بابك للطارقين

تقبّلني عندك، حتى أنشد صفاء أبناء النور [أهل الكهف]

الراعي[المسيح] اختار خرفانا من بين القطيع

جمّعهم في الحظيرة السماويّة ليكونوا معه

مبارك هو الفلاح[المسيح]، الذي يختار القمح من بين الهشيم

و يزرعه في حقل السماوات الحيّ

أقصّ عليكم قصّة أبناء نبلاء إفسوس

استمعوا لي أيّها العاملون و سبّحوا من أجل أبناء القيامة[أهل الكهف]

الملك دسوس يجوب المناطق و القرى

يزور ممالك امبراطوريّته العظيمة
وإذ يدخل إفسوس، تنتشر الفتنة

راح يحتفل بزيوس و أبولون و أيضا أرتميس

و يسنّ شريعته: كلّ الناس تأتي تضع عطورها [إحراق البخور] أمام الآلهة

جمّع النبلاء والشيوخ والأطفال

يضعون العطور لأصنام صمّاء من عمل الإنسان

وكان هناك فتية محبوبون نبلاء

رفضوا شريعته و اعتزلوا في بيت يسوع

كي لا تدنّسهم رائحة عطور الشرك

وشى بهم أصحابهم إلى الملك:

هناك فِتيان يرفضون شريعتك

غضب الملك و أمر بجلب هؤلاء الأطهار ليراهم

راحت الذئاب تركض و قبضت على الخرفان من وسيط القطيع

وبسرعة وعجلة حملوهم إلى الملك

كانوا خائفين فقال الملك ليسحرهم:

لماذا عصيتم أمري؟ اقتربوا، قدّموا عطوركم و سأجعلكم من النبلاء

قال ابن الوالي [العدد معه يصبح ثمانية] و معه أصحابه السبعة:

نحن لا نعبد أصناما صمّاء من صنع الإنسان

معنا ربّ السماء الذي سيعيننا

إنّه من نعبد، و من نقدّم له عطور قلوبنا
آلهتك هم أبولون و زيوس و أرتميس

آلهتنا هم الأب و الإبن و الروح القدس

أمر الملك بضربهم بعصا، ثمّ من جديد أمر بتركهم لحين عودته

الملك كان متشوّقا لزيارة باقي مملكته

فخرج من إفسوس على أن يعود

تحدّث الفِتيان الأطهار فيما بينهم:

لنخرج، لنهرب من مكان الأفسوسيين

قبل أن يعود الملك الملعون ليحاكمنا

حملوا معهم أموال آبائهم و اختفوا في كهف في قمّة الجبل

ليصيروا محلّ شكّ و فخر لآبائهم

لم يحملوا معهم ثيابا ذات قيمة

في الليل، في قمّة الجبل ،في عمق الكهف، قالوا:

نصلّي لك أيّها الراعي الطيّب

احمنا من ظلم هذا الذئب المتعطّش لدمنا

و كي يجازيهم الربّ على إيمانهم

أخذ أرواحهم و صعد بها حتى السماء

و ظلّ هناك ملاك يحرس [يحرّك] أطرافهم

عاد الملك إلى إفسوس و سأل:

أين الفِتيان الذين كانوا خارجين عن القانون؟
قيل:إنّهم هناك في قمّة جبل، في كهف مختبئون

قرّر الملك اللعين قتلهم

أمر بقطع الأحجار و وضعها أمام الكهف لإغلاقه
لكن كان هناك حكيمان [فيلسوفان] إبنا نبيلين

مقتنعين بأنّ الربّ سيبعثهم مرّة أخرى

صنعا ألواحا من الرصاص و جعلاها بجانبهم

كتبا عليها أسماء أبناء النور و أسباب اختفائهم و زمنه.

مرّ عصر الملوك المشركين و فنت ممالكهم

أراد الربّ أن يوقظ أبناء النور

فأعثر عليهم أحد الأغنياء الذي أراد بناء حظيرة في ذلك المكان

دخل النور إلى الكهف فاستيقظوا

جلسوا على الأرض يتساءلون بينهم:

من يذهب إلى المدينة ليخبرنا بقرار الملك؟

قال إيامبليكوس: أنا آتيكم بالخبر اليقين

قالوا: خذ بعض المال و ائتنا ببعض الخبز في طريقك

ذهب الإبن راكضا إلى المدينة و هو يصلّي من الخوف

و حين رأى الصليب معلّقا على الأبواب تعجّب

سأل أحد المارة و حين أجابه بأنّها إفسوس ازداد عجبه

دخل إلى متجر ليشتري الخبز و أعطى قطعة نقديّة

التاجر راح يفحص العملة و أعطاها لزميله الذي بدوره فحصها و أعطاها لآخر

مرّت القطعة بين أيدي خمسة أشخاص

أخذوا يتحدّثون في شأنه، فقال الإبن:

أعطوني خبزا إن أردتم [إن كنتم مانحين] و إلاّ سأذهب.

قبض عليه البائع وانتشر الخبر في المدينة عن وجود كنز

وصل الأمر للأسقف فأخذ القطعة و سأل إيامبليكوس:

من أين أنت؟ من أبواك؟ و كيف وجدت الكنز و أين؟

قال الإبن:أنا من إفسوس و ابن رفينيسوس من النبلاء

نظر الإبن إلى وجوه الحاضرين علّه يعرف أحدا و لكنّهم كانوا كلّهم غرباء فشعر بالحزن و راح يبكي

سأله أحد الحكماء الحاضرين قل الحقيقة يا بنيّ و لا تخش شيئا

فقال الإبن، أجبني أوّلا أين الملك ديسوس؟

فقال الحكيم، أتسخر من فقير قريب من الموت مثلي و عمرك لا يتجاوز اثني عشرة سنة بينما الملك الذي تتحدّث عنه مات منذ زمن بعيد

و بالحساب و حسب طريقة اليونانيين في حسابهم فعمر الملك الآن 377 سنة.

قال الإبن:تعالوا أدلّكم أين اختفيت البارحة من الملك ديسوس مع أصحابي

اجتمع كلّ أهل افسوس ليروا الكنز الحيّ

الكنز الذي أرسله الرب كآية لهم

كان الفتية في الكهف خائفين و يصلون:

إنّ الربّ معنا و يهدينا حسب إرادته

دخل الأسقف و النبلاء إلى الكهف فرأوا الفِتيان جالسين على الأرض

سلّموا عليهم قائلين:السلام عليكم [أو السلام معكم]

وصل الملك تيودوس بعد أن سمع الخبر و سلّم عليهم ثمّ قرأ قصّتهم من اللوح الرصاص

ترجّاهم أن يأتوا معه إلى إفسوس ليبني لهم مسجدا [معبدا]

أجابوه أنّهم يريدون البقاء في مكانهم، فالراعي[المسيح] الذي حملنا إلى هنا هو أعلم بنا

لأجلكم بعثنا المسيح ربّنا لتعلموا أنّ البعث حقّ

نزع الملك (......)[الكلمة ناقصة و يراها المحقّقون :رداءه] و غطّاهم به ليتمّوا نومهم المؤقّت

مبارك هو الراعي الذي اختار خرفانه من بين القطيع

مبارك إذ أورثهم الجنّة، و الحديقة و ملكوت السماء.


النصّ اللاتيني الطويل، مترجمًا عن مقال "المعاناة الصابرة المتحمسة للسبعة النيام الإفسيّين" لجريجوري دي تور

ترجمة لؤي عشري

Gregory of Tours, The Patient Impassioned Suffering of the Seven Sleepers of Ephesus (Passio sanctorum martyrum)

1- مع اضطهادات المسيحيين وعبادة الأصنام عبر العالم، كان سبعةُ رجالٍ نبلاءَ في قصر الملك والذين شعروا اتجاه آثامه الخسيسة التافهة بأمره بعبادة الله من خلال صور غير حية بتأنيب الضمير الإلهي واهتدوا [تحولوا إلى المسيحية]؛ حيث تعمَّدوا وغيِّروا أسماءَهم. عندما جاءَ دِسْيُسْ (دقيانوس) إلى إفسس، أمر باضطهاد المسيحيين حتى القضاء على دينهم إن أمكن. لقد أحرقهم وسط استرحاماتهم وخوفهم. لقد أحرقوا الضحايا وأظلمَتْ كلُّ المدينةِ بالأدخنةِ. خرَّ السبعة الأبطال الخاصون بالمسيح باكين واضعين التراب فوقَ رؤوسهم، متوسلين لشفقة الله أن تنظر إلى الأسفل من السماوات لكي لا يترك شعبه يموت هكذا، لكونه [الملك] غازيًا [فاتحًا].

2- عندما اكتُشِف هذا، ذهبَ أعداءُ الاسمِ المسيحيِّ وأبلغوا الملكَ: "لقد مضى أمرُكَ _أيها الملكُ_ عبْرَ العالَمِ ولم يجرؤْ أحدٌ على مضادَّةِ حكمِكَ، فالكل يقدِّمُ قربانًا يوميًّا للآلهة الخالدين، ما عدا سبعةَ رجالٍ والذين أنت محبٌّ ومعجَبٌ بهم على نحوٍ خاصٍّ". فقال القائد الامبراطوري: "ومن هم هؤلاء؟" فأجابوا: "ماكسيميان؛ ابن حاكمٍ محليٍّ، ورفاقه". سخطَ الامبراطورُ وأُحْضِرَ الرجالُ في السلاسلِ أمامَه بمناظر تثير الدموعَ الله [نسخة عربية: وأعينهم تسيل بالدموع] وتراب فوق رؤوسهم كما كانوا عندما صلوا أمام عيني. رآهم الامبراطورُ وقال: "هل سيطرت مثلك تلك الخيانة العظيمة الخاصة بعقولكم المذنِبة عليكم لدرجة أن تتجرؤوا على تحدي مشيئتِنا ولا تُقدِّموا القربانَ الواجبَ لللآلهةِ الخالدين؟ إني أخاطبكم _بمجدي_ وإننا نعلم طرقًا مختلفة من التعذيب". فأجاب الرجال: "الله وحدَه خلقَ السماءَ والأرضَ والبحرَ، له نقدم قربانًا كلَّ يومٍ بالتسبيحِ ولأجْلِ اسمِهِ نحن مستعدونَ للموتِ. أما القوى التي تحثُّنا [أو تجادلنا] على أننا يجب أن نعبدَها باسم آلهة [على أنها آلهة]، فإننا نعلم أنها لا وجودَ لها على الإطلاق. لأن تماثيل الفسق _بما أنها يزينها فن الفنانين_ لا يمكنها أن تفيدَ من يتعبدون لها، وهكذا فالذين يحبونها يُدانونَ بنفس الشرعِ الإلهيِّ، لأن صانعيها مثل المتعبدين لها لأنهم محبوهم". [إشعيا 45: 16 ؟]

3- ثم قال لهم الامبراطورُ بغضبٍ وهم مذهولون: "انطلقوا أيها الأوغاد! حتى تدفعوا ثمن هذه الإهانة في قصرنا وتستميلكم شفقة الآلهة، استمتعوا بزهرة الشباب. لأنه من الخطإ إيقاع التعذيب بمثل ذلك الجمال الجسدي الباهر؟ وبأغلال الحديد التي في رقابهم، أمر بمغادرتهم كرجال أحرار حتى يعودَ هو نفسُه إلى إفسُس. وهكذا، بهذا الاستثناء الممنوح لهم كامتياز عند مغادرته، مضى الرجال السبعة (بينما يمضي الامبراطور إلى مدينة أخرى) إلى بيوتهم حيث كان يراقبهم حارس، فأخذوا ذهبهم وفضتهم وملابسهم وكل أثاثاتهم وأعطوها للفقراء. وبعد ذلك انصرفوا إلى كهفٍ فوقَ جبل سيليون، حاملين القليل من المال لأجل ضرورات الحياة واختاروا مالْخُس للذهاب سرًّا إلى المدينةِ لشراء الطعامِ وسماع ما قرره الامبراطورُ بخصوص مرسومه اليومي بصدد المسيحيين.

4- ومع حبس [باقي] القديسين في حراسة في السجون كلهم، استمر أشر الأباطرة في الحديث باستمرار إلى التافهة [الأصنام]، وعاد إلى إفسس ومع كون المسيحيين مقبوضًا عليهم كالمعتاد لاستجوابهم، سأل عن ماكسيميانُس وعائلته. قال والداه أنهم أغلقوا على أنفسهم في كهف فوق جبل سيليون، والذي يمكن الحفر لإخراجهم منه بسهولة لو أصدر الامبراطور أمرًا ملكيًّا بذلك. عندما علم الرجال [الستة] بذلك لأن مالْخُس قال لهم، كانوا مرتعبين للغاية ورموا أنفسهم على الأرض وصاحوا بدموع إلى الله، باعتباره حاميهم في الإيمان ليحفظهم عن أن يراهم أظلمُ الأباطرة. عندما قالوا هذا، علم اللهُ مسبقًا أنهم في حاجةٍ للمساعدة، فاستجاب لصلاتهم وقبضَ أرواحَهم فاضطجعوا على الأرض نائمين في هدوء.

5- ثم صاح الامبراطور الغاضب برجاله: "تعالوا وأغلقوا فتحة المغارة لكي لا يكون للمتمردين بعدم طاعة الآلهة أي طريق للمغادرة!"؟ ومضى مسيحيان؛ ثيودور و رأوبين سابقين على الرجال الذين يزمع أن يسدُّوا فتحةَ الكهفِ وصلَّيا سرًّا للمسيحِ بخصوصِ تهديداتِ الامبراطورِ. كتبَ هذا الرجلان على بعض الصخور الثقيلة كاملَ تاريخ القديسين، واضعين إياه داخلَ مدخلِ الكهفِ تمامًا بدون علمِ أحدٍ وقالا: "متى ما أراد اللهُ أن يُظْهِر للشعوبِ الرائحةَ المقدسة لأبطاله الأقوياء الخاصين به لكي يعلموا هذه الأشياءَ التي عانَوْها لأجل اسمِهِ". وعند وصول الذين أُرْسِلوا دحرجوا أحجارًا كبيرةً وأغلقوا مدخلَ الكهفِ وغادروا قائلين: "فليموتوا هنا من الجوع وليأكل بعضهم بعضًا كطعامٍ لهم، هؤلاء الذين رفضوا أن يسكبُوا لآلهتنا القرابين الشعائرية اللائقة".

6- بعد ذلك، بعدما مات دِسْيُسْ [دقيانوس]، خلال الأجيال التالية، مُنِحَتْ السلطة الامبراطورية العليا لثيودوسيوس، ابن أركاديوس، والذي أرادت طائفة منكري القيامة القذرة في عهده إزالة رجاء القيامة، (مبررين ادعاءهم) بقولهم "لأن الميت لا ينهض مجددًا", كان الشيخان ثيودور و جايُسْ _كرئيسين لهذه الهرطقة_ قد أرادا أن يشاركهم الامبراطورُ نفسَه في هذا الكفر. ولهذا ابتُلِيَ الامبراطورُ وخرَّ راكعًا إلى الأرض، وترجَّى اللهَ أن يَظْهَرَ أيٌّ ما كان ما يجب اتباعُه كما يستحق هو. ثم كان هناك راعٍ اسمه داليوس [في المصادر السريانية أدونيس] في إفسس والذي امتلك قطيعًا كبيرًا من الأغنام التي كان يرعاها على جبل سيليون وأمر عماله الخدام: "أعدُّوا حظيرةً لأجلِ خرافِنا، لأن هذا مكان جيد حقًّا لرعي قطعاننا". لكنه لم يكن يعلم بما يجري في الكهف. بينما كان الفتيان يقومون بمهامهم ويدحرجون الصخور الضخمة، وصلوا إلى مدخل الكهف ووجدوا حجارة كبيرة هائلة أزاحوها وصنعوا منها سورًا، لكنهم لم يدخلوا في الكهف.

7- ثم أمرَ اللهُ أرواحَ الحياة بالعودة إلى أجساد القديسين فنهضوا وحيوا بعضهم البعض كالعادة، ظانين أنهم ناموا ليلة واحدة كاملة، ونهضوا بمعنويات جيدة وقوة. وليس فقط أجسادهم كانت رائعة وبهية، بل وحتى ثيابهم كانت سليمة تمامًا كما كانت منذ سنين طوال قبل أن يضطجعوا فيها. التفتوا إلى مالْخُس وقالوا: "قل لنا يا أخانا ماذا قال الامبراطورُ الليلةَ؟ هل نحن يُبْحَثُ عنَّا؟ قلْ، لكي نعلَمَ". فقالَ لهم: "أنتم يُبْحَثُ عنكم ومطلوبٌ منكم أنْ تقدموا القرابين للآلهة. فقال لهم ماكسيميانُس: "نحن كلنا مستعدون للموت لأجل المسيح. لكنْ خذ مالَنا واذهبْ اشترِ لنا بعض الطعام واستمع بعناية. واجلب لنا الأخبار التي تسمعُها." فأخذ المال وغادر مع العملات الفضية المنقوش عليها اسم دِسْيُسْ. وعندما جاء إلى قرب بوابة المدينة، رأى علامةَ الصليب فوقها فخرس من الدهشة، قائلًا لنفسِهِ: "لكنْ كيفَ _منذُ الأمسِ بعد مغيبِ الشمسِ عندما غادرْتُ المدينةَ_ تغيَّرَ قلبُ دِسْيُسْ، لدرجة أنه قوَّى البوابةَ بعلامةِ الصليب؟". فدخلَ المدينةَ، وسع الناسَ يُعلِنونَ [يُقسمِون بـ] اسم يسوع ورأى كنيسةً وقساوسةً يمضون في المدينة، ورأى الحيطان مبنية من جديد بناء قويًّا، وبدهشةٍ أكثر تكلم مع نفسه: "أتعتقد أنك دخلت مدينة أخرى؟". وتجول عبْرَ السوقِ الذي يُعقَدُ كلَّ تسعةِ أيامٍ، وأخرج عملاتِه الفضيةَ، مصلِّيًا أنْ يُعْطَى له طعامٌ.

8- لكنْ عندما رأَوْا العملاتِ المعدنيةَ قالوا: "لقد وجدَ هذا الرجلُ كنزًا قديمًا من المال، وقد حصل على الفضة التي من زمن دِسْيُسْ!". وحينما سمع مالخُسْ هذا، قلَّبَ الأفكارَ في قلبِهِ، قائلًا: "لأيِّ سببٍ يعتبرون هذه الأشياءَ قديمةً ويرغبون فيها هكذا؟ هل يمكن أني أشاهد حلمًا؟"؟ لكنَّ بعضَ الرجال جذبوه وساقوه إلى الأسقف مارينُس وإلى رئيس شرطة (حاكم، والي) المدينة. فقالوا له: "من أينَ أنتَ، أو من أيِّ منقطةٍ جئتَ؟" فأجابَ: "من إِفْسُسْ، لكنْ أليسَتْ هذه مدينةَ الإفسيين التي أتذكر أني شاهدتُها بالأمس؟". فقاله له الحاكم: "العملات الفضية التي تحوزُها؛ من أينَ حصُلْتَ عليها؟". فأجاب: "حصُلْتُ عليها من بيت أبي"؟ فقال الحاكم: "وأين أبوك؟". فذكر اسمي أبويه، لكنْ لم يعرفْهما أيُّ أحدٍ. فقال له الحاكم: "قل لنا من أين حصلت على هذه العملات الفضية، فإنها من زمن دِسْيُسْ، وقد مات منذ سنين طوال. بالتأكيد [جئت بها] من مكانٍ ما، بما أنك قد أقدمتَ على أن تخدَعَ حكماءَ إفْسُسْ، فسوف تعاني التعذيبَ حتى تكشِفَ الحقيقةَ. فخاف مالخُس حتى صمتَ، ثم قال وسط عَبَرَاتِه [دموعِهِ]: "أترجاكم أن أُظْهِر برهانًا واحدًا، إذا تعتقدون أن الأمر يستحق: الامبراطور دِسْيُس _الذي اضطهدَ المسيحيين في المدينة_ أين هو؟". فأجابَ الأسقف مارينُس: "لم يعد في المدينة، يا بني، إنَّ الأحبَّ لي هو رجل يتذكر من جديد أزمنة دِسْيُسْ، لأنه هلك منذ سنين كثيرة".

9- حينما سمع هذا، قال مالخُس مفكِّرًا لنفسه وقائلًا للأسقف: "لقد اعتقدتُ أني نمتُ مع إخواني ليلةً واحدةً فقط، لكن كما اكتشفتُ الآنَ فإن السماء جعلت سنين كثيرة جدًّا تمرُّ على نومِنا. والآنَ عيَّنَني الربُّ أنا وإخوتي لكي نُعلِّمَ كلَّ جيلٍ، لأن بعثَ الموتى قد حدث. لذلك، اتبعوني، سأريكم إخوتي الذين بُعِثُوا معي". وبينما كان مالخُس يقول لإخوته ما حدثَ له في المدينةِ، دخلَ الأسقفَ فوجدَ صندوقًا مختومًا بعلامتين فضيتين؛ فخرج ونادى جموعَ المدينةِ والحاكم [الوالي]، وفتح الختمين ووجد لوحي كتابة من معدن الرصاص كُتِبَ عليهما كامل قصة معاناتِهم تمامًا كما قالها مالخُس من قَبْلُ سابقًا؛ لأن هذه الأشياء كانت حقيقية، أقَرُّوا بصحة ما قاله مالخُس لهم.

10- ثم وجدوا حقًّا الشهداءَ المبارَكين جالسين في ركنٍ من الكهف ووجوهم متورِّدة حمراء ووضيئة كالشمس لصلاحهم، حيث لم يكن قد هلك شيءٌ، لا ثيابُهم ولا شيءٌ من أجسادِهم. علاوةً على ذلك، خرَّ الأسقفُ مارينُس أمامَ أقدامِهم هو والحاكمُ وكرَّموهم ومجَّدَ كلُّ الحشدِ اللهَ، الذي هو أهلٌ لأنْ يُظْهِر معجزةً مبارَكةُ كتلكَ لعبادِهِ. وروى القديسون بالصدق للأسقف وكل الجمع ما قد حدث في عصر دِسْيُس. وأرسَلَ الأسقفُ والحاكمُ رسلًا لإخبار الامبراطورِ ثيودوسْيُس: "ابتهِج الآنَ! يمكنك إن شئتَ أن ترى معجزةً لا تُصدَّقُ كشفَها اللهُ مقدِّمًا إياها لأجيالك في وقتها المحدَّد. فلو جئتَ، ستعرف أن رجاء القيامة ممكن الحدوث حقًّا، كما ضمنَ ذلكَ وعدُ كهنتِهِ.

11- سمع الامبراطورُ ثيودوسيُس هذا وطفَرَ [قفزَ] فرَحًا، وقال _رافعًا يديه إلى الله_: "أشكركَ أيها الربُّ يسوعُ المسيح، يا ابن العدل [الحق] يا من أنت كفؤٌ لأنْ تنير ظلمات الموتى بنور حقيقتك، أقدم لك التشكرات، يا من لم تسمح لنور مصباحَ شكري لك بالتسبيح بالزوال من الأراضي بسبب ظلال الكلام المتشكك. وبينما يقول هذا الكلام، استُحِثَّتْ خيولُه وذهب بأسرعِ عَجَلَةٍ إلى إفسُس. لكن الأسقف والحاكم وكل السكان خرجوا لمقابلة الامبراطور، وبينما كانوا يصعدون خرج الشهداء القديسون إلى طريق الامباررطور وصارت وجوهم مثل الشرق في إشراقها بفضيلتهم، فخر الامبراطوار على الأرض وعظَّمَهم ممجِّدًا اللهَ ونهضَ، وقبَّلَهم وبكى على أكتافِهم، وقال: "إنى أرى وجوهَم كأني أرى وجهَ المسيح، ربي الذي أقامَ لعازر من القبرِ، أقدِم له تشكراتٍ لا نهائيةً لأنه لم يُضِلَّني عن الرجال في الحياة الأبدية.

12- ثم أجابَ ماكسيميانُس: "أيها الامبراطورُ، رجاءً اعلَمْ أن الربَّ أمرَنا بالنهوضِ من جديد لتقويةِ إيمانِكَ. لذا فعليك الإيمان به دائمًا، لأن قيامةَ الموتى سوف تحدُثُ كما أنك ترانا، فاشْهَدْ على بعثِنا أمامَكَ واحكِ أعمالَ اللهِ العظيمةَ". وقالَ الملكُ والناسُ أشياءً عديدةً أخرى، لكنهم [القديسين] اضطجعوا من جديد وناموا على الأرض، مسلِّمين أرواحهم للملك الخالدِ كليِّ القدرةِ. رأى الامبراطورُ هذه الأمورَ، فخرَّ فوقَهم وبكى وقبَّلَهم، وجلبَ أثوابَهُ ووضعَها فوقَ هؤلاء القدِّيسين وأمرَ بعملِ توابيتَ ذهبيةٍ لكي يوضَعُوا فيها. لكنْ في تلكَ الليلةٍ ظهرَ له القدِّيسون وقالوا [له]: "لا تفعل ذلك، اتركْنا فوقَ الأرضِ بدلًا من ذلك، فمنها سوف يُقيمُنا اللهُ في اليوم العظيم لقيامة كل ما من هو لحْمٌ. ثم أقامَ الامبراطورُ له قاعةً كنسيةً رائعةً وعملَ فيها مأوىً للمحتاجين والفقراء، آمِرًا بأنْ يُطْعَموا من المخزونِ العامِّ. وعندما استُدْعِيَ الأساقفةُ معًا، احتَفَلَ [الملكُ] بيوم مقدَّسٍ مجيدٍ للقديسين وعبَدَ كل امرئٍ الربَّ الذي مجدُه بلا عيبٍ في الثالوث والرحمة على مر قرونِ الأجيال. آمين [=حقًّا].


من كتاب مجد الشهداء لجريجوري دي تور
ترجمة لؤي عشري

Gregory of Tours, De gloria martyrum (Glory of the Martyrs)

ملاحظة: هنا القصة مختصرة مما ورد في النص أعلاه، فلا تضيف جديدًا مختلفًا، فسأترجم الجزء الذي يضيف القليل من المعلومات لنا، ومنها أنه ترجم القصة عن نقلٍ من رجل سوريٍّ سريانيٍّ.

.....جاء الامبراطورُ وكرَّمَهم بالجُثِيِّ [الركوعِ] على الأرضِ. فتحدَّث السبعةُ رجالٍ إلى الامبراطورِ بهذا الكلامِ: "لقد انتشَرَتْ هرطقةٌ _أيها الامبراطورُ المجيدُ_ تحاولُ إضلالَ الشعبَ المسيحيَّ عن وعودِ اللهِ بالقولِ بأنه ليس هناك قيامةٌ للموتى. لذلك لأننا _كما تعلم_ سنُعتَبَر مسؤولين أمامَ محكمة [كرسي قضاء، منبر] المسيح وفقًا لما كتبَهُ بولس الرسولُ [كورنثوس الثانية 5: 10]، فقد أمرَنا الربُّ أنْ ننهضَ لنقولَ هذه الأشياءَ لكَ. احترِسْ لكي لا تُغْوَى وتُقْصَى من ملكوتِ اللهِ". استمَعَ الامبراطورُ ومجَّدً [سَبَّحَ] اللهَ الذي لم يسمَحْ بهلاكِ شعبِهِ. لكنَّ الرجال اضطجعوا من جديد على الأرض وخرُّوا نيامًا. عندما أراد الامبراطورُ ثيودوسيوس بناءَ مقابرَ ذهبيةٍ في تلك البقعةِ، حُذِّر في رؤيا بألَّا يفعلَ ذلك. وحتى اليومِ يضطجعُ هؤلاءِ الرجالُ نائمين في تلك البقعةِ، مُغَطَّيْنَ بعباءات مصنوعةٍ من حريرٍ أو كِتَّانٍ. إن تقريرَ معاناتِهم [جهادِهم] _والذي ترجمتُه بمساعدة سريانيٍّ إلى اللاتينية_ يعطي روايةً أكملَ.
________________________________________
المراجع:

1-لويس ماسينيون، مجلّة مينورا 1951 ، بحث في مخطوطات قصّة الرقود السبعة

-2-جريجوري دي تور (539-594) ميلادي -أسقف و مؤرخ كنسي لاتيني

-3-يعقوب السروجي (451-521) ميلادي -أسقف سرياني معروف بأشعاره و أناشيده

4-فرنسوا جوردون، قصة الرقود السبعة/طبعة 2001

5- Seven Sleepers of Ephesus, by Jacob of Seruqh, translated from Syrian by Wikisource

6- Gregory of Tours, The Patient Impassioned Suffering of the Seven Sleepers of Ephesus (Passio sanctorum martyrum)

7- Gregory of Tours, De gloria martyrum (Glory of the Martyrs)


وكتب سامي المنصوري (نقلًا عن باحثين ملحدين أقدم كمحمد النجار وأثير العاني وفراس السواح الأستاذ الكبير المعروف) :


اعتمادا على ما تقدّم و لتأطير النصّ تاريخيّا نرى ما يلي:

راوي القصّة إتيان الإفسوسي سنة 448

دُوِّنَتْ باليونانيّة تقريبا سنة 449

نقلها يعقوب السروجي إلى السريانيّة سنة 490 تقريبا

نقلها يوحنا الإفسوسي إلى السريانية سنة 570 تقريبا

نقلها عنه جرِجْوَار دي تور إلى اللاتينية سنة 580 تقريبا

يختلف الرواة في عددهم (المخطوطات الأثيوبيّة و السريانية تختلف عددا عن اللاتينيّة)

اختلاف في مدّة مكثهم في الكهف بين 190 سنة إلى 377 سنة

كلهم يتّفقون على أنّ أحداث هروبهم حدثت مع الملك دِسْيُسْ و هنا سنتوقّف قليلا لنقرأ ما يكتبه المؤرّخون و نحاول معرفة هل أنّ هذه القصّة حدثت قبله أو في حكمه أو بعده.

النصّ القرآني:

الآيات من سورة الكهف معروفة و لكنّنا سنبيّن فقط نقاط الاختلاف و الائتلاف بينها و بين النصّ السرياني:

..................القرآن.......................... ........................يعقوب السروجي

عددهم:خمسة أو ستّة أو سبعة....................................ثمانية

المدّة:309 سنة............................................... ..........377 سنة

معهم كلبهم............................................. ...................بلا كلب

دينهم:التوحيد..................................... .........................التثليث

خرجوا هاربين............................................ ...........خرجوا هاربين

نلاحظ أنّ النصّين يتوافقان في كيفيّة سرد القصّة حيث يسردان تعريفا شاملا في البداية ثمّ يعودان و يدخلان في التفاصيل على اختلافها:

المقدّمة:

القرآن:

{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)} من سورة الكهف

ثمّ يعيد القصّ مرّة أخرى بالتفاصيل.


يعقوب السروجي:

ابن الله، يا من تفتح بابك للطارقين

تقبّلني عندك، حتى أنشد صفاء أبناء النور [أهل الكهف]

الراعي[المسيح] اختار خرفانا من بين القطيع

جمّعهم في الحظيرة السماويّة ليكونوا معه

مبارك هو الفلاح[المسيح]، الذي يختار القمح من بين الهشيم

و يزرعه في حقل السماوات الحيّ

ثمّ يدخل في التفاصيل.


اعتمادا على النصّ القرآني فإنّنا لو طرحنا 309 سنة من عام استيقاظهم 449 ميلادي لوجدنا سنة 140 ميلادي و هي توافق حكم الامبراطور أنطونيوس التقيّ (138-161 ميلادي) و هو من الحكام المصلحين في روما و تميّز عهده بالاستقرار نسبيّا.و هو ما ينفي احتمال وجودهم في عصره.


[إضافة من لؤي عشري: وقال يعقوب السروجي في قصيدته:

أخذ أرواحهم و صعد بها حتى السماء

و ظلّ هناك ملاك يحرس أطرافهم


قارن مع القرآن:


{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)} الكهف: 18


و نلاحظ في النصّ اللاتيني أنّ العمليّة تكاد تكون مفبركة بين الحاكم تيودوس و الأسقف إتيان إذ نقرأ هنا:
"و في السنة الثلاثين من حكم الإمبراطور تيودوس انتشر مذهب مسيحيّ ينكر البعث فحزن الإمبراطور كثيرا لأنّه كان مؤمنا به فأخذ يبكي ليل نهار و يدعو الربّ أن يتدخّل و يهدي هؤلاء القوم، "

فما الذي يمنع أن يتّفقا (الحاكم و الأسقف) و ربّما الأسقف وحده مع سبعة أشخاص على الذهاب إلى كهف ما و يعطوهم قطعة نقديّة من أرشيف الخزانة تعود إلى الحاكم دِسْيُسْ و يحملان معهم لوحا فيه قصّتهم ثمّ يأتي أحدهم كما لو أنّه استيقظ بعد مئات السنين؟

و هكذا يتأتّى للأسقف ما يريد و هو إيمان الناس بالبعث.

و هو ما نراه في :

"فكّر الأسقف و قال للقنصل:

-إنّها رؤيا يريد الربّ أن يرينها عبر هذا الفتى.

و حين وصلوا إلى الكهف و وجدوا قدّيسي الربّ جالسين راح الأسقف يمجّد الربّ و يقبّلهم و يبكي قائلا إنّي أراكم كما أرى الربّ يبعث إليعازر.

فقال ماكسيميانُس:

-صدّقونا، فمن أجلكم بعثنا الربّ قبل يوم البعث الأعظم حتى تؤمنوا يقينا بالبعث، ألا ترون أنّنا أحياء؟"


وهكذا يؤمن الناس و تنتشر القصّة.

نلاحظ فيما سبق أنّ القرآن [ربما] يتحدّث عن أصحاب كهف آخرين غير قصّة الرقود السبعة السريانيّة، [أو ينقل من تنقيح آخر للقصة، أو ربما أضاف محمد بعضَ المنماتِ الصغيرة].

بل يزيد القرآن في إعطاء تفاصيل لا نجدها في النص السابق الذي كما قلت هناك إمكانيّة أن تكون القصّة ملفّقة من طرف الحاكم تيودوس لكي يؤمن الناس بالبعث.

يقول القرآن في البداية :أصحاب الكهف و الرقيم و الرقيمُ لغة هو اللوح الذي نضع الأرقام فيه أو نكتب فيه و هو ما يحيلنا إلى أنّ هناك من كان يرقّم مدّة نوم أهل الكهف و يدعّم رأينا هذا قوله تعالى في مقدّمة القصّة أو تلخيصها في البداية"لنعلم أيّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا" و كذلك قوله "سنين عددا" أي هناك من يعدّ سنة فسنة.

ثمّ بعد هذه المقدّمة يدخل القرآن في التفاصيل:

-هناك حزبان يحصيان المدّة

-يذكر الكهف بالتعريف و ليس "كهفا"

-يقولون: هؤلاء قومنا اتّخذوا من دونه آلهة، و كأنّهم فرّوا من مجتمع كامل وثنيّ

-وصف الشمس:حسب وصف القرآن لحركة الشمس فإنّنا نلاحظ أنّ فتحة الكهف متوجّهة نحو الشمال المائل قليلا نحو الغرب بينما الفتحة في كهف افسوس في النصّ السرياني متوجّهة نحو الجنوب.

-الكهف مفتوح بدلالة قوله "لو اطّلعت عليهم، أو و تحسبهم أيقاظا" و ليس مغلقا بالحجارة كالنصّ السرياني

-عقاب الرجم "في قوله: "إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملّتهم" و هو مخالف لعقاب الرومان ممّا يجعلنا نتأكّد أنّ القرآن لا يتحدّث عن الحادثة نفسها

[تعليق لؤي عشري: قد يكون هذا كعادة محمد في إسقاط أجزاء من أحداث حياته على قصص أساطير الأنبياء، وقد نسب محمد في القرآن قول أبي إبراهيم لإبراهيم: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)} سورة مريم: 46، وهذا لا وجود له أيضًا في التوراة والمصادر الهاجادية والأبوكريفية، فواضح أنه من إسقاطات محمد على الأسطورة من أحداث حياته ودعوته هو]

-بناء معبد عليهم:" قال الذين غلبوا على أمرهم لنتّخذنّ عليهم مسجدا" و هو ما نفهم منه أنّه كان هناك نقاش وخصومة بين حزبين في خصوص أهل الكهف.

[قد يتعلق الأمر بإضافة من محمد لكرهه إقامة الكنائس المكرسة للقديسين والعذراء حيث اعتبرها نوعًا الشرك والإيمان بتعدد الآلهة، روى البخاري:

434 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ»


نلاحظ أنّ هذه القصّة كانت متداولة في التراث الشفويّ -لا ندري قبل أو بعد حادثة إفسوس و إن كان أغلبها كما يبدو تمّ استنباطها منها- بل و نجد قبور أهل الكهف و فوق كهفهم أو حذوه مكان عبادة، في أكثر من أربعين بلدا:(1)

-بلجيكيا- سويسرا –ألمانيا -تركيا-السودان-إسبانيا-النمسا-أوكرانيا-فرنسا-إيطاليا-روسيا-الجزائر-تونس-مصر-جزر القمور-سوريا-أفغانستان-المغرب-الأردن إلخ...!

و أغلب هذه القصص الشفاهيّة مستمدّة من القصّة الأصليّة مع اختلاف طفيف في التفاصيل ،و هو ما بيّن لنا مدى نجاحها و انتشارها قديما.

[ملاحظة: بولس الشماس Paul the Deacon اللومباردي الإيطالي المتأخر زمنيًّا في كتابه تاريخ اللومبارديين لكونه من أصل لومباردي إسكندنافي جرماني زعم أن قبور الفتية النيام تقع على حدود جرمانيا (ألمانيا) بدلًا من إفسوس في الأسطورة الأشهر- لؤي عشري]
....................

1-فرنسوا جوردون/الرقود السبعة/ طبعة 1983

2-برينو كولان/تاريخ العملة/ طبعة 2004

________________________________________
تعدّدت الأقوال و تضاربت حول موقع أو قبور أهل الكهف [الخرافيين المزعومين]:

يرى المستشرق "كلارمون جانو" أنّ كهف الرجيب بالأردن هو كهف أهل الكهف.

-أخذها عنه الباحث "محمّد تيسير ظبيان" و أضاف لها بعض الأدلّة (1) حيث وجد عملة نحاسيّة تعود إلى عصر الامبراطور تراجان و وجد سبع جماجم و بقايا عظام حيوانات.
-ترى الأحمديّة أنّه في روما في سراديب الكتاكومب

-يرى الدكتور عبد المنعم عبد الحليم سيّد بكلّية الاسكندريّة أنّ المكان هو مدينة البتراء حيث وجد كلمة "رقمو" بالنبطيّة محفورة على الصخر بمدخل المدينة و في الكهف نقش باليونانيّة على الجدار يعود إلى سنة 446 ميلاديّة.

و هكذا فإنّ الكهف يطير شمالا و جنوبا و كلّ كهف فيه ستّة أو سبعة قبور! و هناك من يرى أنّه في اسكندنافيا و آخرون في نينوى و آخرون في دمشق و آخرون وصلوا حتّى إلى بريطانيا!


نص عربي مترجم عن نص سرياني متأخر آخر عن السبعة النيام الإفسِيِّين

نشر سامي منصوري في الحوار المتمدن بعنوان (أهل الكهف عند السريانيين)


في عهد الأمبراطور الأثيم (هادريان) الامبراطور الروماني (117م -138 م) عندما زار مدينة افسس، أصدر أمره على أمراؤها ونبلائها بنحر ذبائح أصنام، وأمر بقتل المسيحيين الذين لم يخضعوا لأمره، فقتل عدد كبير منهم وألقيت بجثثهم للغربان والنسور والعقبان وسائر الجوارح، وحاول حاكم مدينة افسس الملك دقيانوس بالوعد والوعيد إقناع سبعة شبان من أبناء النبلاء، وشى بهم إليه، أن ينكروا مسيحيتهم، ويقدموا الذبائح للأوثان فرفضوا، فنزع من على أكتافهم شارات الحرير (أي رتبهم في الجيش - وفصلهم من العمل في الجيش) وطردهم من امامه، وأعطاهم فرصة ليفكروا حتى يعدلوا عن

ولما لم يعثر عليهم الملك في المدينة أستقدم ذويهم، فأخبروه بأن الفتية السبعة قد هربوا إلى كهف في جبل (أنكيليوس) فأمر الملك بسد باب الكهف بالحجارة ليموتوا، فيصير الكهف قبراً لهم، غير عالم أن الرب الإله فصل أرواحهم عن جسدهم لقصد ربانى أعلن بعد سنين بأعجوبة باهرة.

وكان أنتودورس وأريوس خادما الملك مسيحيين تقيين، وقد اخفيا عقيدتهما خوفاً منه فتشاوروا معاً وكتبا صورة هؤلاء المعترفين بصحائف من رصاص، ووضعا في صندوق من نحاس، وختمت ودست في البنيان عند مدخل الكهف.

وهلك هادريان ودقيانوس وخلفه على العرش الرومانى اباطرة كثيرون، حتى جلس في دست الحكم الامبراطور المؤمن ثيودسيوس الصغير (408 م - 450 م) وظهرت في عهده ردع عديدة حتى بعضهم أنكر قيامة الموتى، وتبلبلت افكار الملك، وشقه الحزن، فإتشح بالمسوح، وأفترش الرماد، وطلب من الرب أن يضئ أمامه سبيل الإيمان.

وألقى الرب الإله في نفس أدونيس صاحب المرعى الذي يقع فيه الكهف حيث رقد المعترفون وبدأ في أن يشيد حظيرة هناك، فنزع العمال الحجارة عن باب الكهف (لينتفعوا بحجارته في بناء الحظيرة كما نزعوا مداخل قبور أخرى في المنطقة) ولما انفتح، أمر الإله أن يبعث الفتية السبعة الراقدون أحياء، فعادت ارواحهم إلى اجسادهم وأستيقضوا، وسلم بعضهم على بعض كعادتهم صباح كل يوم ولم تظهر عليهم علامات الموت، ولم تتغير هيئتهم ولا ألبستهم التي كانوا متشحين بها منذ رقادهم، فظنوا وكأنما ناموا مساء وأستيقظوا صباحاً.

ونهض تمليخا كعادته صباح كل يوم، وأخذ فضة وخرج من الكهف متجهاً نحو المدينة ليشترى طعاماً، وعندما أقترب من بابها دهش حين رأى علامة الصليب منحوته في أعلاه، فتحول إلى باب آخر من أبوابها فرأى المنظر ذاته، ودخل المدينة فلم يعرفها إذ شاهد فيها أبنية جديدة تنكرت له، وسمع الناس تقسم باسم السيد المسيح وبمريم العذراء، فسأل أحد المارين عن اسم المدينة، فأجابه اسمها افسس فزاد مليخا حيرة وقال في نفسه : لعمرى لا أعلم ما جرى لى، ألعلى فقدت عقلى وغاب عنى صوابى ؟ الأفضل أن اسرع بالخروج من هذه المدينة قبل أن يمسنى الجنون فأهلك.

وإذ بتمليخا مسرعا ليترك المدينة، تقدم بزيه كشحاذ لأحد الخبازين وأخرج دراهم من جيبه وأعطاه إياها فأخذ هذا يتأملها فرآها كبيرة الحجم، وتختلف ضرب طابعها عن طابع الدراهم المتداولة في عصرهم، فتعجب جداً، وناولها لزملائه، فتطلعوا إلى تمليخا وقالوا : " أنه عثر على كنز من زمن طويل، فألقوا القبض عليه وأخذوا يسألونه قائلين : من اين انت يا هذا ؟ لقد اصبت كنزاً من كنوز الملوك الأولين، وتألب الناس حوله، ،اتهمه البعض بالجنون.

وأخيراً جاؤوا به إلى اسقف المدينة، وكان يزوره وقتئذ والى أفسس فقد شائت العناية الإلهية الربانية أن يجمعهما في ساعة واحدة معا ليظهر على ايديهما للشعوب كلها كنز بعث الموتى، فأصر يمليخا أمامهما بأنه رجل من أهل أفسس، وأنه لم يعثر على كنز، وقد اشترى بمثلها قبل يوم واحد فقط خبزاً، فقال له الوالى : أن صورة الدراهم تشير إلى أنها ضربت قبل عهد هادريان الامبراطور بسنين، فهل وجدت يا هذا قبل أجيال عديدة وأنت لا تزال شاباً ؟

فعندما سمع تمليخا ذلك ذلك سجد امامهم وقال : اجيبونى أيها السادة عن سؤال وأنا أكشف لكم عن مكنون قلبى، أنبؤونى عن الملك دقيانوس الذي كان عشية امس في هذه المدينة، اين هو الآن ؟ أجابه ألسقف قائلاً : ان الملك دقيانوس مات قبل أجيال، فقال تمليخا : أن خبرى أصعب من أن يصدقه أحد من الناس، هلم معى إلى الكهف في جبل (أنكليوس) لأريكم اصحابى، وسنعرف منهم جميعاً الأمر الأكيد، أما أنا فأعرف أمراً واحداً هو أننا هربنا منذ ايام من الملك دقيانوس، وعشية أمس رايت دقيانوس يدخل مدينة افسس ولا اعلم الآن إذا كانت المدينة افسس أم لا.

فإنشغل بال الأسقف عند سماعه قول تمليخا، وبعد تفكير عميق قال : أنها لرؤيا يظهرا الرب الإله لنا اليوم على يد هذا الشاب، فهلم بنا ننطلق معه لنرى واقع ألمر : قال هذا ونهض الوالى وجمهور الناس معه، وعندما بلغوا الكهف عثروا في الجهة اليمنى من بابه على صندوق من نحاس عليه ختمان من فضة، فتناول السقف، ووقف أمام مدخل الكهف، ودعا رجال المدينة وفى مقدمة الوالى، ورفع أمامهم الختام، وفتح الصندوق، فوجد لوحين من رصاص، وقرأ ما كتب عليهما : " لقد هرب إلى هذا الكهف من أمام وجه دقيانوس الملك المعترفون مكسيمليانوس أبن الوالى وتمليخا ومرتينيانوس ويونيسيوس، ويؤنس، وسرافيوس، وقسطنطنوس، وأنطونيوس، وقد سد الكهف عليهم بالحجارة، وكتب أيضاً في سطور اللوحين الأخيرة صورة إيمان المعترفين وعندما قرئت هذه الكتابة، تعجب السامعون، ودخلوا الكهف فشاهدوا المعترفين جالسين بجلال ووجوههم مشرقه كالورد النضر، فكلموهم، وسمعوا منهم أخبار الحوادث الذي جرت على عهد دقيانوس.

وأرسل فوراً الامبراطور ثيودوسيوس يريد مكتوب، مضمونه تتسرع جلالتك وتأتى لترى ما اظهره العلى على عهدك الميمون من العجائب الباهرات، فقد أشرق من الرتاب نور موعد الحياة وسطعت من ظلمات القبور آشعة قيامة الموتى وإنبعاث أجساد القديسين الطاهرة.
ولما بلغ ثيودوسيوس الملك هذا النبأ، وهو في القسطنطينية، نهض عن الرماد الذي كان قد أفترشه وشكر الرب الإله، وجاء والأساقفة وعظماء الشعب، إلى أفسس وصعدوا جميعاً إلى الكهف الذي ضم المعترفين في جبل أنكيليوس فرآهم، وعانقهم الملك، وجلس معهم على التراب، وحدثهم.

ثم ودع المعترفون الملك، والأساقفة والشعب، وأسلموا الروح إلى يد القدير، فأمر الملك أن يصنع لهم توابيت من ذهب، فاتركنا في كهفنا على التراب.

وأقر مجمع الأساقفة عيداً لهؤلاء المعترفين، وأطلق سراح الأساقفة المأسورين في المنفى وعاد ومعه الأساقفة إلى القسطنطينية مغمورين بفرحة إيمان الملك ممجدين الرب على ما جرى...

وقد ظهرت قصة أصحاب الكهف الأول مرة في الشرق في كتاب سرياني يرجع تاريخه إلى القرن الخامس، ذكرها دنيس. ووردت عند الغربيين في كتاب تيودسيوس عن الأرض المقدسة. وأسماء الفتية في هذه المصادر أسماء يونانية لأنها تنتهى بمقاطع (وس) التي ينتهى بها أسماء اليونانيون حتى هذا اليوم، وليس هناك اتفاق على ما إذا كانت الرواية التي ذكرها دنيس قد نقلت عن اليونانية أم أنها كتبت بالسريانية من أول الأمر.


القصة في تفسير الطبري للقرآن:

وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفِتية إلى الكهف الذي ذكره الله في كتابه، فقال بعضهم: كان سبب ذلك، أنهم كانوا مسلمين على دين عيسى، وكان لهم ملك عابد وَثَن، دعاهم إلى عبادة الأصنام، فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عن دينهم، أو يقتلهم، فاستخفوا منه في الكهف.

* ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو في قوله: (أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ) كانت الفِتية على دين عيسى على الإسلام، وكان ملكهم كافرا، وقد أخرج لهم صنما، فأبَوا، وقالوا: (رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) قال: فاعتزلوا عن قومهم لعبادة الله، فقال أحدهم: إنه كان لأبي كهف يأوي فيه غنمه، فانطلقوا بنا نكن فيه، فدخلوه، وفُقدوا في ذلك الزمان فطُلبوا، فقيل: دخلوا هذا الكهف، فقال قومهم: لا نريد لهم عقوبة ولا عذابا أشدّ من أن نردم عليهم هذا الكهف، فبنوه عليهم ثم ردموه، ثم إن الله بعث عليهم ملكا على دين عيسى، ورفع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم، فقال بعضهم لبعض: (كَمْ لَبِثْتُمْ) ؟ ف (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ... ) حتى بلغ (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) وكان ورق ذلك الزمان كبارا، فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعام وشراب، فلما ذهب ليخرج، رأى على باب الكهف شيئا أنكره، فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة، فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهما، فنظروا إليه فأنكروه، وأنكروا الدرهم، وقالوا: من أين لك هذا، هذا من ورِق غير هذا الزمان، واجتمعوا عليه يسألونه، فلم يزالوا به حتى انطلقوا به إلى ملكهم ، وكان لقومهم لوح يكتبون فيه ما يكون، فنظروا في ذلك اللوح، وسأله الملك، فأخبره بأمره، ونظروا في الكتاب متى فقد، فاستبشروا به وبأصحابه، وقيل له: انطلق بنا فأرنا أصحابك، فانطلق وانطلقوا معه، ليريهم، فدخل قبل القوم، فضرب على آذانهم، فقال الذين غلبوا على أمرهم: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: مَرِج أمر أهل الإنجيل وعظُمت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم على ذلك بقايا على أمر عيسى ابن مريم، متمسكون بعبادة الله وتوحيده، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم، ملك من الروم يقال له: دَقْيَنوس، كان قد عبد الأصنام، وذبح للطواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقام على دين عيسى ابن مريم، كان ينزل في قرى الروم، فلا يترك في قرية ينزلها أحدا ممن يدين بدين عيسى ابن مريم إلا قتله، حتى يعبد الأصنام، ويذبح للطواغيت، حتى نزل دقينوس مدينة الفِتية أصحاب الكهف، فلما نزلها دقينوس كبر ذلك على أهل الإيمان، فاستخْفُوا منه وهربوا في كلّ وجه. وكان دقينوس قد أمر حين قدمها أن يتبع أهل الإيمان فيُجمعوا له، واتخذ شُرَطا من الكفَّار من أهلها، فجعلوا يتبعون أهل الإيمان في أماكنهم التي يستخفون فيها، فيستخرجونهم إلى دقينوس، فقدمهم إلى المجامع التي يذبح فيها للطواغيت فيخيرهم بين القتل، وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة ويُفْظَع بالقتل فيَفتِتن. ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل، فلما رأى ذلك أهل الصلابة من أهل الإيمان بالله، جعلوا يُسْلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيقتلون ويقطعون، ثم يربط ما قطع من أجسادهم، فيعلَّق على سور المدينة من نواحيها كلها، وعلى كلّ باب من أبوابها، حتى عظمت الفتنة على أهل الإيمان، فمنهم من كفر فتُرك، ومنهم من صُلب على دينه فقُتل، فلما رأى ذلك الفِتية أصحاب الكهف، حزنوا حزنا شديدا، حتى تغيرت ألوانهم، ونَحِلت أجسامهم، واستعانوا بالصلاة والصيام والصدقة، والتحميد، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والبكاء، والتضرّع إلى الله، وكانوا فتية أحداثا أحرارا من أبناء أشراف الروم.
فحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: لقد حُدّثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانه وضح الورق، قال ابن عباس: فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكون إلى الله، ويستغيثونه، وكانوا ثمانية نفر: مَكْسِلمينا، وكان أكبرهم، وهو الذي كلم الملك عنهم، ومُحْسيميلنينا، وَيمليخا، ومَرْطوس، وكشوطوش، وبيرونس، ودينموس، ويطونس قالوس (1) فلما أجمع دقينوس أن يجمع أهل القرية لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، بكوا إلى الله وتضرعوا إليه، وجعلوا يقولون: اللهم رب السماوات والأرض، لن ندعو من دونك إلها (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وادفع عنهم البلاء وأنعم على عبادك الذين آمنوا بك، ومُنِعوا عبادتك إلا سرّا، مستخفين بذلك، حتى يعبدوك علانية، فبينما هم على ذلك، عرفهم عُرفاؤهم من الكفار، ممن كان يجمع أهل المدينة لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خَلوا في مُصَلّى لهم يعبدون الله فيه، ويتضرّعون إليه، ويتوقَّعون أن يُذْكَروا لدقينوس، فانطلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مُصلاهم، فوجدوهم سجودا على وجوههم يتضرّعون، ويبكون، ويرغبون إلى الله أن ينجيهم من دقينوس وفتنته، فلما رآهم أولئك الكفرة من عُرفائهم قالوا لهم: ما خَلَّفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه! ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقينوس، وقالوا: تجمع الناس للذبح لآلهتك، وهؤلاء فِتية من أهل بيتك، يسخَرون منك، ويستهزئون بك، ويعصون أمرك، ويتركون آلهتك، يَعمِدون إلى مُصَلّى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريم يصلون فيه، ويتضرّعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلم تتركهم يصنعون هذا وهم بين ظَهراني سلطانك ومُلكك، وهم ثمانية نفر: رئيسهم مكسلمينا، وهم أبناء عظماء المدينة؟ فلما قالوا ذلك لدقينوس، بعث إليهم، فأتي بهم من المصلَّى الذي كانوا فيه تفيض أعينهم من الدموع مُعَفرة وجوههم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أُسْوة لسَراة أهل مدينتكم، ولمن حضر منَّا من الناس؟ اختاروا مني: إما أن تذبحوا لآلهتنا كما ذبح الناس، وإما أن أقتلكم! فقال مكسلمينا: إن لنا إلها نعبده ملأ السموات والأرض عظَمتُه، لن ندعو من دونه إلها أبدا، ولن نقر بهذا الذي تدعونا إليه أبدا، ولكنا نعبد الله ربنا، له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصا أبدا، إياه نعبد، وإياه نسأل النجاة والخير. فأما الطواغيت وعبادتها، فلن نقرّ بَها أبدا، ولسنا بكائنين عُبَّادا للشياطين، ولا جاعلي أنفسنا وأجسادنا عُبادا لها، بعد إذ هدانا الله له رهبتَك، أو فَرَقا من عبودتك، اصنع بنا ما بدا لك، ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقينوس مثل ما قال، قال: فلما قالوا ذلك له، أمر بهم فنزع عنهم لبوس كان عليهم من لبوس عظمائهم، ثم قال: أما إذ فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم أن تكونوا من أهل مملكتي وبطانتي، وأهل بلادي، وسأفرُغ لكم، فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجِّل ذلك لكم إلا أني أراكم فتيانا حديثة أسنانُكم، ولا أحبُّ أن أهلككم حتى أستأنّي بكم، وأنا جاعل لكم أجلا تَذكرون فيه، وتراجعون عقولكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة، فنزعت عنهم، ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده، وانطلق دقينوس مكانه إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبا منها لبعض ما يريد من أمره.

فلما رأى الفتية دقينوس قد خرج من مدينتهم بادروا قدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكر بهم، فأتمروا بينهم أن يأخذ كلّ واحد منهم نفقة من بيت أبيه، فيتصدّقوا منها، ويتزوّدوا بما بقي، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له: بنجلوس فيمكثوا فيه، ويعبدوا الله حتى إذا رجع دقينوس أتوه فقاموا بين يديه، فيصنع بهم ما شاء، فلما قال ذلك بعضهم لبعض، عمد كلّ فتى منهم، فأخذ من بيت أبيه نفقة، فتصدّق منها، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، واتبعهم كلْب لهم، حتى أتوا ذلك الكهف، الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد، ابتغاء وجه الله تعالى، والحياة التي لا تنقطع، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له يمليخا، فكان على طعامهم، يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا من أهلها، وذلك أنه كان من أجملهم وأجلدهم، فكان يمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ ورقه، فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا، ويتسمَّع ويتجسَّس لهم الخبر، هل ذكر هو وأصحابه بشيء في ملإ المدينة، ثم يرجع إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويخبرهم بما سمع من أخبار الناس، فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم قدم دقينوس الجبَّار المدينة التي منها خرج إلى مدينته، وهي مدينة أفَمْوس، فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطواغيت، ففزع في ذلك أهل الإيمان، فتخبئوا في كل مخبأ، وكان يمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقينوس قد دخل المدينة، وأنهم قد ذكروا وافتقدوا والتمسوا مع عظماء أهل المدينة ليذبحوا للطواغيت، فلما أخبرهم بذلك، فزعوا فزعا شديدا، ووقعوا سجودا على وجوههم يدعون الله، ويتضرّعون إليه، ويتعوّذون به من الفتنة، ثم إن يمليخا قال لهم: يا إخوتاه، ارفعوا رؤوسكم، فاطعَموا من هذا الطعام الذي جئتكم به، وتوكلوا على ربكم، فرفعوا رؤوسهم، وأعينهم تفيض من الدمع حذرا وتخوّفا على أنفسهم، فطعموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون، ويذكر بعضهم بعضا على حزن منهم، مشفقين مما أتاهم به صاحبهم من الخبر، فبينا هم على ذلك، إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف سنين عددا، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون مُوقنون، مصدّقون بالوعد، ونفقتهم موضوعة عندهم، فلما كان الغد فقدهم دقينوس، فالتمسهم فلم يجدهم، فقال لعظماء أهل المدينة: لقد ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا يظنون أن بي غضبا عليهم فيما صنعوا في أوّل شأنهم، لجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأجهل عليهم في نفسي، ولا أؤاخذ أحدا منهم بشيء إن هم تابوا وعبدوا آلهتي، ولو فعلوا لتركتهم، وما عاقبتهم بشيء سلف منهم، فقال له عظماء أهل المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مَردة عُصاة، مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، وقد كنتَ أجَّلتهم أجلا وأخَّرتهم عن العقوبة التي أصبت بها غيرهم، ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا ولم ينزعوا ولم يندموا على ما فعلوا، وكانوا منذ انطلقت يبذرون أموالهم بالمدينة، فلما علموا بقدومك فرّوا فلم يُروا بعد، فإن أحببت أن تُؤْتَى بهم، فأرسل إلى آبائهم فامتحنهم، واشدُد عليهم يدُلوك عليهم، فإنهم مختبئون منك، فلما قالوا ذلك لدقينوس الجبار، غضب غضبا شديدا. ثم أرسل إلى آبائهم، فأتي بهم فسألهم عنهم وقال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوا أمري، وتركوا آلهتي، ائتوني بهم، وأنبئوني بمكانهم، فقال له آباؤهم: أما نحن فلم نعص أمرك ولم نخالفك، قد عبدنا آلهتك وذبحنا لهم، فلم تقتلنا في قوم مردة، قد ذهبوا بأموالنا فبذّروها وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا، فارتقوا في جبل يدعى بنجلوس، وبينه وبين المدينة أرض بعيدة هرَبا منك، فلما قالوا ذلك خلَّى سبيلهم، وجعل يأتمر ماذا يصنع بالفتية، فألقى الله عز وجل في نفسه أن يأمر بالكهف فيُسدّ عليهم كرامة من الله، أراد أن يكرمهم، ويكرم أجساد الفتية، فلا يجول، ولا يطوف بها شيء، وأراد أن يحييهم، ويجعلهم آية لأمة تُستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. فأمر دقينوس بالكهف أن يسدّ عليهم، وقال: دعوا هؤلاء الفتية المَرَدة الذين تركوا آلهتي فليموتوا كما هم في الكهف عطشا وجوعا، وليكن كهفهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرا لهم، ففعل بهم ذلك عدوّ الله، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد تَوَفّى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، قد غَشَّاه الله ما غشاهم، يُقلَّبون ذات اليمين وذات الشمال، ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقينوس يكتمان إيمانهما: اسم أحدهما بيدروس، واسم الآخر: روناس، فأتمرا أن يكتبا شأن الفتية أصحاب الكهف، أنسابهم وأسماءهم وأسماء آبائهم، وقصة خبرهم في لوحين من رَصاص، ثم يصنعا له تابوتا من نحاس، ثم يجعلا اللوحين فيه، ثم يكتبا عليه في فم الكهف بين ظهراني البنيان، ويختما على التابوت بخاتمهما، وقالا لعل الله أن يُظْهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم، ففعلا ثم بنيا عليه في البنيان، فبقي دقينوس وقرنه الذين كانوا منهم ما شاء الله أن يبقوا، ثم هلك دقينوس والقرن الذي كانوا معه، وقرون بعده كثيرة، وخلفت الخلوف بعد الخلوف.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كان أصحاب الكهف أبناء عظماء مدينتهم، وأهل شرفهم، فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أسنهم: إني لأجد في نفسي شيئا ما أظنُّ أن أحدا يجده، قالوا: ماذا تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربي ربّ السماوات والأرض، وقالوا: نحن نجد، فقاموا جميعا، فقالوا: (رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) فاجتمعوا أن يدخلوا الكهف، وعلى مدينتهم إذ ذاك جبار يقال له دقينوس، فلبثوا في الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا رقدا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: كان أصحاب الكهف فتيانا ملوكا مُطَوّقين مُسَوّرين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم، فخرجوا في عيد لهم عظيم في زيّ وموكب، وأخرجوا معهم آلهتم التي يعبدون، وقذف الله في قلوب الفتية الإيمان فآمنوا، وأخفى كلّ واحد منهم الإيمان عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم من غير أن يظهر إيمان بعضهم لبعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظلّ شجرة، فجلس فيه، ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر منه، فجاء حتى جلس إليه، ثم خرج الآخرون، فجاؤوا حتى جلسوا إليهما، فاجتمعوا، فقال بعضهم: ما جمعكم؟ وقال آخر: بل ما جمعكم؟ وكل يكتم إيمانه من صاحبه مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج منكم فَتَيان، فيخْلُوَا، فيتواثقا أن لا يفشيَ واحد منهما على صاحبه، ثم يفشي كل واحد منهما لصاحبه أمره، فإنا نرجو أن نكون على أمر واحد، فخرج فتيان منهم فتواثقا، ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرَين إلى أصحابهما قد اتفقا على أمر واحد، فإذا هم جميعا على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: ائتوا إلى الكهف (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا) فدخلوا الكهف، ومعهم كلب صيدهم فناموا، فجعله الله عليهم رقدة واحدة، فناموا ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا، قال: وفقدهم قومُهم فطلبوهم وبعثوا البرد، فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدروا عليهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان أبناء ملوكنا، فَقَدناهم في عيد كذا وكذا في شهر كذا وكذا في سنة كذا وكذا، في مملكة فلان ابن فلان، ورفعوا اللوح في الخزانة، فمات ذلك الملك وغلب عليهم ملك مسلم مع المسلمين، وجاء قرن بعد قرن، فلبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا.
______________________


الخطأ التاريخي في أسطورة أهل الكهف

سامي المنصوري

أصحاب الكهف هم الذين آمنوا بالله وتركوا عبادة قومهم عبادة الأوثان وعبدوا الله وحده هكذا يطلق عليهم عند المسلمون ويطلق عليهم عند المسيحيين السبعة النائمون الذين عاشوا في عهد اضطهاد المسيحيين وكان ذلك في ظل حكم ديقيانوس.

1- القصة عند المسلمين

انه توجد قرية مشركة،ضل ملكها وأهلها عن الطريق المستقيم، وعبدوا مع الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم. عبدوهم من غير أي دليل على ألوهيتهم. ومع ذلك كانوا يدافعون عن هذه الآلهة المزعومة، ولا يرضون أن يمسها أحد بسوء. ويؤذون كل من يكفر بها، ولا يعبدها.
في هذا المجتمع الفاسد، ظهرت مجموعة من الشباب العقلاء. ثلة قليلة حكّمت عقلها، ورفضت السجود لغير خالقها، الله .ثم قرروا النجاة بدينهم وبأنفسهم بالهجرة من القرية لمكان آمن يعبدون الله فيه. فالقرية فاسدة، وأهلها ضالون. عزم الفتية على الخروج من القرية، والتوجه لكهف مهجور ليكون ملاذا لهم. خرجوا ومعهم كلبهم من المدينة الواسعة، للكهف الضيق. تركوا وراءهم منازلهم المريحة، ليسكنوا كهفا موحشا.
وهنا حدثت معجزة إلاهية. لقد نام الفتية ثلاثمئة وتسع سنوات. وخلال هذه المدة، كانت الشمس تشرق عن يمين كهفهم وتغرب عن شماله، فلا تصيبهم أشعتها في أول ولا آخر النهار.
وكانوا يتقلبون أثناء نومهم، حتى لا تهترئ أجاسدهم. فكان الناظر إليهم يحس بالرعب. يحس بالرعب لأنهم نائمون ولكنهم كالمستيقظين من كثرة تقلّبهم. بعد هذه المئات الثلاث، بعثهم الله مرة أخرى. استيقضوا من سباتهم الطويل، لكنهم لم يدركوا كم مضى عليهم من الوقت في نومهم.

القصة في القرآن

> (سورة الكهف)

غرابة سبب النزول:

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) لسورة الكهف الآية 9 .

لقد كان النضر بن الحارث معاديا لمحمد ويقول بأن أحاديثه أحسن من كلام محمد ، خصوصا أن علمه غزير ، فهو طبيب ابن طبيب وعالم تعلم من علوم اليونان وعرف تاريخ الفرس وغيره ، فبعثه أهل قريش مع عقبة بن أبي معيط إلي أحبار اليهود يسألوهم أن يعطوهم أسئلة يمتحنون بها محمدا ، {فقال أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث : عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإن حديثهم عجب ، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ، وسلوه عن الروح وما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقول ، فلما قدم النضر وصاحبه مكة قالا : قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد ، وأخبروا بما قاله اليهود فجاءوا رسول الله صلعم وسألوه فقال رسول الله صلعم : {أخبركم بما سألتم عنه غدا {ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلعم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة حتى أرجف أهل مكة به ، وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة فشق عليه ذلك ، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبة الله إياه على حزنه عليهم ، وفيها خبر أولئك الفتية ، وخبر الرجل الطواف}.

صحيح البخاري » كتاب الإيمان » باب علامة المنافق:
{آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان} كما ذكر البخاري أن عدم الوفاء بالوعد من آيات المنافق كما قال محمد نفسه ؟ فلماذا انتظر محمد خمسة عشر يوما حزينا وخلف وعده بأن يجيب في يوم واحد سؤالا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وعن الرجل الطواف ، لماذا خلف وعده وانتظر كل هذا الآنتظار ؟ ألم يستطع الله أن يحفظ ماء وجه نبيه حتى لا يخلف وعده خصوصا؟!



:: توقيعي ::: سئمت من العرب وتخلفهم الفكري والاجتماعي والعلمي.
كتبي: http://atheismlibrary.blogspot.com.eg/
  رد مع اقتباس