شبكة الإلحاد العربيُ  

العودة   شبكة الإلحاد العربيُ > ملتقيات في نقد الإيمان و الأديان > العقيدة الاسلامية ☪

إضافة رد
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع اسلوب عرض الموضوع
قديم 10-25-2019, 12:21 AM قوس قزح غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [1]
قوس قزح
عضو جديد
الصورة الرمزية قوس قزح
 

قوس قزح is on a distinguished road
0057 غسيل المخ القرآني

أول شيء أتوقعه من أي نبي مخادع هو أن يقوم بعمل "غسيل مخ" للناس من حوله، وأن يُحبط أي محاولة لإعمال العقل والتفكير المنطقي لديهم لأن هذا هو العدو رقم واحد لأي مُعتقد خرافي أو دين كاذب، وهو فعلا ما نجده عند كثير من المتدينين والذي يبنون دينهم على إيمان أعمى ومعتقدات فيها من الخرافة والتزييف ما يدهش له العقل.

نسمع قصصا مدهشة في غرابتها عن معتقدات دينية نستغرب أن يُصدقها العقل السليم، تصلنا قصص غريبة مثل قصة جماعة "بوابة السماء" الدينية وكيف انتحر تسع وثلاثون من أفرادها معتقدين بأنهم بذلك يخرجون من أجسادهم فتذهب أرواحهم في رحلة على سفينة فضائية! بل إن بعض رجال المجموعة وصل بهم الحد إلى القيام بإخصاء أنفسهم ليمتنعوا عن الجنس (1)! وهذه العجائب والقصص الغريبة يكاد لا يخلو منها دين أو مجتمع، بل حتى عند بعض المسلمين هناك عجائب وغرائب وخرافات ومبالغات يضحك عليها ويستنكرها العقل السليم.

هناك حتى معتقدات تحتوي على نبوءات غريبة عجيبة، وحين لا تتحقق النبوءات لا يراجع أصحاب النبوءة أنفسهم ومعتقدهم، بل يحاولون الالتواء وتفسير الأمر بأسباب واهية! ويمكن البحث على الإنترنت عن النبوءات الفاشلة خصوصًا تلك التي تؤرخ لنهاية العالم، وسنجد العجب العجاب من القصص والحكايا... ومن يؤمن بالخرافة دومًا لديه تفسير وعذر يفسر به خرافاته وإن شاهدها تتهاوى أمامه الواحدة تلو الأخرى! بعض الناس لديهم قدرة عجيبة على الإيمان بالخرافات والتمسك بها حتى بعد أن تثبت لهم بالأدلة الدامغة خطأ ما هم عليه.

القرآن هو أول كتاب يُعتد به يظهر من جزيرة العرب، والإسلام أول دين يصلنا من عندهم، فيا ترى ما هي منهجية هذا الكتاب من الناحية العقلية المنطقية وهو قد جاء من مجتمع متخلف بدائي؟

إن أحد أبرز الأشياء التي سيلاحظها القارئ للقرآن هي اختلافه جذريا عن كل ما سبق ذكره، فهو يُعتبر فريدًا من نوعه في تشجيعه على إمعان العقل والتفكير! فبدل "غسيل المخ" نرى التشجيع على إعمال الفكر وطرح الأسئلة الهادفة السوية! بل إن القرآن يَعتبر العلم والمنطق السليم هو منبع وركيزة الإيمان القوي بالله! فيقول لك بأن الفكر السليم لا بد وأن يؤدي للهداية والإيمان، أما الفكر المعوج فهو الذي يؤدي للكفر.

وينتقد أن يبنيَ المرء معتقداته على أسس غير متينة وعلى ظنون أو أوهام تتهاوى أمام أي منطق... باختصار يقول لك لكي تكون مسلمًا حقًا عليكَ أن تكون مؤمنًا عن قناعة وعن حجج وأدلة راسخة لا عن ظن واتباع! ولذلك يأمر الناس بالبحث عن الصواب بقلب مفتوح يتبع المنطق والعقل وينبذ الهوى، لأنك لن تفهم وتتشرب آيات الله إلا بعد تفكر وتحميص صافيين من أي مشوبات.

ويمتلئ القرآن بكثير من الآيات الكونية التي تدعوا قارئها لدراستها والتفكر فيها، مما جعل المسلمين يتفقون على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم بأن التفكير وطلب العلم والبحث والاكتشاف والتجريب أمور محورية ومهمة في الدين الإسلامي، وهناك العديد من الأحاديث النبوية التي تدعم هذا السياق في الحث على العلم (2) وطلبه، ومن الآيات القرآنية نجد:

(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (يونس 101)

(أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (الغاشية 17-21)

(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة 28)

دعوة القرآن للإنسان في أن يتفكر في الكون مختلفة عن النظرة المادية الجافة، بل هي دراسة للكون غير مبتورة الصلة بخالقه، غير صلدة وغير منعزلة عن المحراب! النظرة الجافة التي لا تستند إلى أي مبادئ قد ينشأ عنها جشع وفساد وتقتيل وتدمير وتنافس على الموارد وإهلاك لها... (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص 77). ماذا تستفيد البشرية حين يتطور العلم وتفسد الأرض ويقتّل أهلها وتنهب مواردها؟ دراسة الكون التي يدعو إليها القرآن هي تلك التي تأخذ بأيدينا نحو خالقنا وخالق هذا الكون الفسيح البديع، هي تلك الدراسة التي يعم فضلها وخيرها علينا وعلى البشرية جمعاء... إن الكون آية الله، وإن دارسته والنظر فيه والتعمق في ملكوته بعيون عقلانية غير ساذجة لهو العلم الحقيقي الذي يصل المخلوق بخالقه... إن هذه الدراسة هي التي ينشأ عنها قلب يخشا مولاه ويذوب تضرعا في جنابه: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر 28).

يُقال بأن أول ما نزل من القرآن هو التالي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق: 1-5). يُقال بأن هذا هو أول أمر رباني نزل من السماء على محمد! لاحظوا تركيز هذه الآية على أهمية القراءة والكتابة وجعلهما أساس العِلم والمعرفة.

***


وفي التشجيع على العلم ورفع منزلة العلماء، نجد أمثال هذه الآيات:

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر 62)

(وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه 114)

ونجد أن القرآن لأصحاب العقول: (هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (غافر 54).

وحكى بلسان حال أهل النار ندمهم على عدم السمع والتعقل: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك 10). نفهم من هذه الآية ضمنيًا أن أهل الجنة سمعوا وتعقلوا. ثم إن شر مخلوقات الله أولئك الذين لا يفكرون ولا يعقلون ولا يسمعون وينطقون حتى بكلمة الحق: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * ۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) (الأنفال 21-22).

ثم إن أسلوب القرآن الأساسي في رسالته هو أسلوب الإقناع والجدل الحواري المنطقي، القرآن يرفض رفضًا صارمًا استخدام المعجزات والخوارق المرئية المادية الملموسة لإقناع الناس، ويصر إصرارا عجيبا على استخدام أسلوب المحاجة والإقناع العقلي البحت... المعجزة المادية تحجب العقل وتُجبره على التسليم والانقياد دون تفكير: (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء 4) حين تأتي المعجزة المادية (الآية بالتعبير القرآني) يخضع الإنسان ويُساق من عنقه ولا يصبح من مجال للعقل أن يفكر...

الإسلام من أول لحظات نشوئه لجأ لاستخدم الحجة والبرهان العقلي كدليل على مصداقيته، لم يحاول استخدام الخرافات أو الأكاذيب لإقناع الناس... لذلك نجد في القرآن تأسيسًا للقواعد التي يجب أن ينبني عليها الحوار والنقاش، وتحذيرًا من المزالق التي كثيرًا ما يقع فيها الناس كاتباع الأهواء والتأثر بالأغلبية... إلخ. فلنفحص قواعد التفكير القرآنية والمنهجية العقلية المنطقية التي خطّها.



  رد مع اقتباس
قديم 10-25-2019, 12:23 AM قوس قزح غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [2]
قوس قزح
عضو جديد
الصورة الرمزية قوس قزح
 

قوس قزح is on a distinguished road
افتراضي

أولًا: الحيادية التامة عند البحث عن الحقيقة، وعدم التعصب للرأي المسبق

قد أكون أنا المخطئ وقد تكون أنت كذلك! إذن فلنتخلص من تزمتنا ولنفتح عقولنا للأفكار المنطقية: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (سبأ 24). أخبرني وبصراحة: هل رأيت شخصًا يدعوك لدينه أو حتى يناقشك في أي موضوع عادي فيقول لكَ في حواره معك: أحدنا مخطئ، فهيا نتسم بالحيادية ونفحص هذا الأمر معًا لنصل للصواب!

لاحظوا آية أخرى: (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف 81). للآية أكثر من تفسير وارد ننقل منه ما قاله السدي: "لو كان له ولد كنت أول من عبده، بأن له ولدا، لكن لا ولد له." (3). هنا بالآية افتراض أن قولهم يصح فإن صح فأنا سأتبعه اتباعًا للحق... التجرد التام من الفكر المسبق والاستعداد للانقياد للحقيقة مهما كانت... فإن كان لله ولدٌ فسأكون أول من ينقاد لتلك الحقيقة وسأكون أول من يعبده! أنا لست متحجرًا لفكرة، أنا هدفي الحقيقة أيا كان وسأتبعها دون أية مماطلة!! يعني وجهات النظر والعقائد التي تدّعونها أنا مستعد للتنازل عن معتقداتي لأجلها لو صحت ومستعد لأدرسها لو هي صحت. نستفيد من هذه الآية أيضا أن رفض أمر ما لا يصح أن يكون سببه مجرد تعصب أعمى للنفس أو الهوى أو الفكر المسبق بل يجب أن يكون الرفض مبنيًا على حجة وبرهان وحقائق راسخة... وعلى ضوء هذه الآية أنصحكم جميعًا ونفسي أيضا بعدم التعصب الأعمى لأي رأي أيًا كان!

واقرؤوا معي هذه الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (سورة اﻷحقاف 10)، وكأن فيها تساءلًا دون جزم، ماذا لو كان هذا القرآن فعلًا من عند الله؟ فماذا ستفعلون حينها؟ وكأن الأمر مخاطبة لغير المؤمن بأسلوب المنطق والتَّنزل معه في الحوار ومجاراته... وهو يقول لهم على افتراض أن كلامكم صحيح وأن هناك شك في القرآن وصحة نسبته لله... لنفترض ذلك! إذن دعونا نفترض أنه حقا من عند الله وأنتم أعرضتهم وكفرتم به، فماذا تفعلون وقتها؟! ماذا لو كان الرسول حقًا صادقًا وأنتم كذبتموه؟ ماذا لو كانت الآخرة حقا فعلا ولو باحتمال بسيط، فبعثكم الله يوم القيامة، فماذا تفعلون وقتها؟ وكيف ستواجهون الله وتعذرون أنفسكم؟ وهذه آيات أخرى على نفس السياق:

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (سورة فصلت 52)

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) (سورة هود 28)

أرأيتم إن كان من عند الله؟ أرأيتم إن كنت على بينة؟ أسلوب منطقي يقرع باب التساؤلات دون تعنت ودون أن يجبرهم قسرا على الإيمان، بل يثير عقولهم بالتساؤلات ووضع الافتراضات التساؤلية لإيصالهم إلى الحق، شبهٌ من هذا الأسلوب نجده عند الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يَـكْـتُــم إيمانه، فقد قال هذا الرجل عن النبي موسى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (سورة غافر 28).

وأيضًا:

(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأنعام 40)

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ) (الملك 28-30)

وهكذا ينوع القرآن في أساليب الدعوة وإقناع الطرف الآخر ومخاطبته وحتى يتنزل مع منطقه... لذلك رسالتي لك هي أن تتبنّ الحقيقة حتى لو كنت مضطرا للتنازل عن معتقدات تربيت عليها، حتى لو وجدت نفسك خاسرا في النقاش!

من المهم هنا أن ننوه على أن الحيادية لا تعني التنازل عن الحقائق أو تمييعها، ولا تعني أن الحق ضعيف أو أن التخلي عنه سهل بسبب أهواء عارضة أو من أجل إرضاء خصم... الحيادية هي أسلوب حواري لا يعني أبدا الميوعة أو عدم التمسك بالحقائق، ولا تعني أن تكون إمعة، كلما قال أحدهم كلمة مشيت وراءه... الحيادية تعني أنك منصف لا يمنعك كبر أو عناد أو تحجر فكري من اتباع الحق وأهله. الحياد لا يعني أن تخجل وتخاف فتخفي الحق: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ ...) (الكهف 29). ولا يعني الميوعة وأنك مائع كلما وضعت في جو تشكلت مثله: (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (النساء 143).

الحياد يعني التجرد للحق، والتضحية من أجله وفي سبيله، أن تكون مستعدًا للتخلي عن فكرك القديم إن تبين لك خطأه، أن تتنازل عن معتقدات آبائك إن كانت تجانب الصواب، أن تخسر النقاش لكي تكسب الحق... أن تتخلى عن أهوائك وعنادك الغير مبرر، وعن عصبيتك وتزمتك الغير مبرهن.



  رد مع اقتباس
قديم 10-25-2019, 12:26 AM قوس قزح غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [3]
قوس قزح
عضو جديد
الصورة الرمزية قوس قزح
 

قوس قزح is on a distinguished road
افتراضي

ثانيًا: عدم اتباع أي دعوى وعدم تصديقها قبل التأكد والتوثق منها


البرهان في القرآن أمر مهم جدا، فهو يطلب منك أن تتأكد من أن أي دعوى أو فكرة تؤمن أو تصدق بها عليها برهان ودليل يؤكدها. في القرآن لا تمرر الدعاوي إلا بدليل يُثبتها: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء 36). بمعنى: "ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله" (4).

(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (المؤمنون 117)، ليس للإنسان أن يعتقد شيئا دون برهنة وتدليل، حتى الإيمان بإله! تدهشني هذه الآية ومثيلاتها! حتى قضايا الدين والإيمان والإله تُعامل كغيرها بالبرهان والأدلة، فمهما عظُمت الادعاءات أو حقُرت فهي سواء بوجوب إيجاد البرهان، وكأنه إن ثبت وجود برهان صحيح سليم عن المعارضة لآلهة أخرى مع الله فستصبح قضية منطقية (الآية لا تقول ذلك ولا تصرح به وإنما استشعرته وأنا أقرأ نصها).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات 6)، بهذه الآية نلاحظ كيف أن القرآن يرفض تلقي الأخبار بلا تثبت وخصوصاً من شخص غير موثوق وقد يكذب وإن صدقناه فقد يؤدي الأمر لنتائج وخيمة وقد نضرُّ بأشخاص آخرين عن جهل منا ثم نصبح نادمين على ما فعلنا! وكم نحن بحاجة لهذه الآية في قراراتنا الإدارية أو حتى مجالسنا وأن لا نترك لآذاننا العنان تلتقط الأخبار من أي شخص ونحقد وننقم ونتصرف ونظلم عن جهل!!

وفي آية أخرى ينتقد الله المنافقين أنهم كلما سمعوا خبرا نشروه بين الناس دون أن يرجعوا إلى أهل العلم ليتأكدوا قبل نشر الأكاذيب والإشاعات: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء 83).

وكان العرب في وقت الرسول يقولون بأن الملائكة إناث، فيسألهم القرآن على أي أساس قلتم بهذا؟ وما دليلكم عليه؟ هل كنتم موجودين وقت خلق الملائكة؟ (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) (الزخرف 19).

ووجوب التثبت في القرآن ليس يقتصر على القضايا الفكرية بل الميدانية أيضا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء 94). تعيد الآية كلمة تبينوا مرتين... تأكد، تبين، تحقق، تثبت... هل يمكن أن يكون الدين الذي يأمرك بهذه الأمور دينًا بشريًا؟



  رد مع اقتباس
قديم 10-25-2019, 12:28 AM قوس قزح غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [4]
قوس قزح
عضو جديد
الصورة الرمزية قوس قزح
 

قوس قزح is on a distinguished road
افتراضي

رابعًا: يقرّ القرآن بأن الإنسان بطبيعته يتأثر ببيئته وبجماعته، وأن هناك ما يُسمى بـ "العقل الجمعي"

المحاكاة أو التقليد ظاهرة معروفة حيث يقلد الإنسان ويكتسب مع الوقت سلوكيات وأفعال وتصرفات الناس المحيطين به، وعادة ما يفعل ذلك لا عمدًا بدون شعور أو وعي من طرفه... ولذلك يُطالب الباحث عن الحقيقة بأن يتجرد من هذا التأثير، فينفصل عن الجماعة ثم يُفكر وهو منفصل عنهم: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (سبأ 46). قرأتُ مرّة لأحد الملحدين بأن التدين يعتمد على العقل الجماعي وأن المتدين لا يستطيع أن ينفصل عن جماعته ويفكر بمنطقية بعيدًا عن تلك المؤثرات... ولو قرأ القرآن لعرف أن فيه آية تشجع على العكس.

إن من المغالطات المنطقية المنتشرة بين الناس مغالطة التحاكم إلى الكثرة (أو ما يسمونها مغالطة الاحتكام للشعبية)، وهي تعني أن الناس عادة يشعرون بمزيد من المصداقية لأمر ما وتزداد ثقتهم به حين يرون أكثر من شخص يقول به أو يصدقه... لكن القرآن لا يحتكم إلى العدد في إقرار الحق، بل على الدليل السليم، وينبهنا من الوقوع في مثل هذه المغالطة:

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (سورة اﻷنعام 116).

(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان 44)

وجدير بالتوضيح بأن القرآن كما يشجع الإنسان على التحري، والتمحيص. والبحث، والدراسة، والتعقل، وكما ينبه لحاجة الإنسان للابتعاد عن الجماعة ليفكر بعيدًا عن تأثيرها، إلا أنه أيضا يقر بأنه يحتاج لها ليثبت ولا يضيع ويتشتت:

(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف 28)

(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء 140)

(وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (اﻷنعام 68)

يطلب من الإنسان أن يختار الجماعة التي تأخذ به لطريق الصواب، وأن يحذر من تأثير أي جماعة أخرى قد تضلله وتبعده... والآيات الأخيرة تحتوي أيضا على لمسات رائعة وبالغة في الإنسانية، فبينما تحذر من اتباع العقل الجمعي السلبي وتنهى عنه، ففيها فكرة مهمة قلة من يمتلكها وهي نقطة الإعراض عن المستهزئين، والابتعاد عن استفزازاتهم وتهكماتهم وتهجماتهم... فكل ما يُطلب من المسلم هو أن يعتزل المجلس بهدوء، حتى ينتهي الحديث ويخوض المجلس في حديث آخر غيره! لا انتقام ولا تدخل ولا تشاجر! والأهم من ذلك كله أن لا يهبط المؤمن إلى مستوى الانحطاط الفكري الذي عليه المستهزئ:

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف 199)

(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام 108)



  رد مع اقتباس
قديم 10-26-2019, 12:29 PM قوس قزح غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [5]
قوس قزح
عضو جديد
الصورة الرمزية قوس قزح
 

قوس قزح is on a distinguished road
افتراضي

خامسًا: القرآن منصف، وينهى عن اتباع الهوى والشهوات


(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية 18).

لكي يكون المرء محايدًا عليه أن يتخلص من أي مشاعر قوية كأهوائه وعواطفه التي تعميه عن الرؤية ببصيرة، لهذا السبب شبه القرآن الهوى بإله يعبد: ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) (الفرقان 42). فبعض الناس يمشون وراء أهوائهم ورغباتهم يطيعونها وكأنها رب متحكم... ولذلك القرآن ينهانا عن أن لا نعدل إذا لم يوافق العدل هوانا أو كنا نبغض الخصم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة 8). أحيانًا كرهنا وحقدنا على شخص ما يجعلنا نظلمه أو نبخسه حق وربما دون أن نشعر حتى، وأحيانًا عكس ذلك، حبنا الشديد وتعلقنا بأحدهم يجعلنا نغض الطرف عن مساوئه وأخطاء، ولذلك يأمرنا القرآن أن نعدل ونؤدي شهادة الحق حتى لو كنا سنشهد على أنفسنا وأحبتنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (سورة النساء 135). أي لا تجعلوا مشاعركم كالبغض والحب وغيرها من أهواء تؤثر على حكمكم على الأشياء والناس! وهذا هو الإنصاف المطلوب من المسلم أن يعترف بالحقيقة وأن يقف في صفها وإن كان القائل بها هو ألد الخصوم والأعداء! (فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (الشورى 15)، منهج يأتي من حقبة ساد فيها الظلم والعدوان ليأمر بالعدل مع الجميع ولو كانوا أعداء.

ونقرأ أيضا إنصاف القرآن لأهل الكتاب: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران 110). إنه الإنصاف، لم ينسَ القليل المؤمن بمقابل الكثير الفاسق، وبعدها تحدث عن ضلال بعض أهل الكتاب ونعتهم بالكفر وقتل الأنبياء والذل والعصيان حين قال: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران 112). ومع كل هذا ينصفهم في الآية التي بعدها: (لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (آل عمران 113). وبآيةٍ أخرى يقول عنهم: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران 75).

وعن اليهود بوجه الخصوص يقول القرآن: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف 168). اليهود الذين كانوا بالمدينة وقت الرسول صلى الله عليه وسلم حاولوا قتله كذا مرّة، هذا غير مساندتهم للعدو ونقضهم للوعود والمواثيق التي كانت بين المسلمين وبينهم

في واقع الحياة نجد بأن أغلب الناس -للأسف- بعيدون كل البعد عن الإنصاف، فقد تجدهم يستنقصون أو يذمون من أناس أو شعوب بأكملها، ويطلقون عليهم أحكامًا فيها من التعميم وعدم الإنصاف... ولو نهجوا نهج القرآن في إنصافه وتفاديه للتعميم لكان خيرًا لهم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات 11)

وحقيقة من الناحية العملية الواقعية القرآن لا يستفيد إطلاقا من عرض محاسن المعترضين على الرسالة الإسلامية، بل إن كل مصلحته تكمن في انتقاصهم واحتقارهم وتبيين مساوئهم ونقدهم، وهو حال أي إنسان طبيعي؛ التقليل من خصمه واحتقاره. لكن القرآن منصف؛ يتحرى الدقة في أوصافه، ولا يعمم على الكل مغفلا البعض وإن كانوا قلة... يذكر الحقيقة كما هي، فإن كانت هناك محاسن ذكرها دون بأس!

لاحظوا بهذه الآية كيف يصف لنا القرآن قصة سحرة فرعون: (قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (اﻷعراف 116). تخيل أن أحد المنتصرين جاء ليروي قصة انتصاره فإن المتوقع أن يأتي معتزا بنفسه مستعظما عمله مستصغر خصمه، وهذه عادة المنتصرين، لكن القرآن منصف ويروي القصة بمصداقية عالية لدرجة أنه يصف بوضوح وصراحة أن الخصم جاء بسحر عظيم ومبهر فقد سحر أعين الناس...

حتى حين ذكر الخمر الذي حرمه ذكر حسناته وأن فيه من المنافع: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة 219).

وهكذا يُعلم القرآن الإنسان أن يكون صادقًا عادلًا متفاديا لأهوائه ونزواته، يضع الحقائق في محلها دون تحريف أو تزييف... فلا تجعل كرهك لشخص أو شيء ما سببًا في إنكار حسناته في غمرة بغضائك!



  رد مع اقتباس
قديم 10-26-2019, 04:39 PM HUMAN غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [6]
HUMAN
عضو برونزي
الصورة الرمزية HUMAN
 

HUMAN is on a distinguished road
افتراضي

الموضوع هذا دليل على كيف إستطاع محمد بقرآنه بأن يغسل عقول أتباعه وبشكل فعال أكثر مما توقع هو نفسه !

النبي محمد عليه الصلاة والسلام بنفسه لم يكن ليأتي بمثل هذا الإبداع في الشرح والتبرير الموجود بالموضوع !



  رد مع اقتباس
قديم 10-26-2019, 06:57 PM hapower غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [7]
hapower
عضو برونزي
الصورة الرمزية hapower
 

hapower is on a distinguished road
افتراضي

فعلا موضوع جميل يتبت لنا عمليا كيف انه تم غسل دماغ صاحبه

الاخ يتحدث لنا عن عقل و شعارات و ينسى ان رسوله طار الى القمر فوق بغلة...... و ربه خلق الارض في اربعة ايام و الكون في يومين



  رد مع اقتباس
قديم 10-27-2019, 01:02 AM قوس قزح غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [8]
قوس قزح
عضو جديد
الصورة الرمزية قوس قزح
 

قوس قزح is on a distinguished road
افتراضي

سادسًا: يكره القرآن الجمود ويحاربه بقوة

يكره التقليد وعلى وجه الخصوص تقليد الآباء والأجداد، فليس بالضرورة أن يكون الصواب موافقًا لما قالوا، ويقول لك يجب أن لا تتقبل أفكار واستنتاجات الآخرين كآبائك ورؤسائك وغيرهم من شخصيات مؤثرة بلا نظر أو تفكير، بل عليك أن تُفكر لنفسكَ وتستنتج بنفسك فإن خالف رأيهم الصواب عدلت عنه، فالقرآن يكره إيمان التقليد، بل الإيمان يجب أن يكون مبنيًا على حجة واقتناع: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة 170).

بعض البشر مكتفون بما وجدوا عليه الآباء والأجداد لا يتزحزحون ولا يتحركون:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (المائدة 104).

(فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰؤُلَاءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) (هود 109)

ثم إن القرآن يواجه أولئك الجامدين، ويتنزل معهم، ويقول لهم حسنًا، ماذا لو جئتكم بأمر هو أهدى وأفضل من ما كان عليه الآباء؟ (وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * ۞ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) (الزخرف 23- 24). لكن رغم ذلك نرى عنادهم وجمودهم بهذه الآية، فحتى هذا الاحتمال ليسوا مستعدين للاستماع له، هم يرفضون كل جديد وحسب.

ويرسم لنا القرآن مشهد مصير المتبعين العميان البائس يوم القيامة، فكونهم لم يفكروا لأنفسهم لا يعذرهم أبدًا، أنتَ إنسان مفكر ولديك عقل:

(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (اﻷحزاب 66 – 68)

(إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة 166 – 167)

سابعًا: يشجع القرآن على احترام قوانين وسنن الكون

(...إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ...) (الرعد 11)

(وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ) (النجم 39-40)

يجب على الإنسان أن يعمل وأن يسعى وأن يبذل وأن يُغير ما في نفسه، وحينها فقط تتغير أحواله وأموره! وهذا مبدأ إسلامي أصيل يُسمى الأخذ بالأسباب ومنع التواكل، ولا أعرف دينًا آخر يؤصل لهذا المبدأ بهذه الطريقة غير الإسلام...! فالسماء لا تُمطر ذهبًا وإن بقيت تدعو الله ليلًا نهارًا دون سعي! عليكَ أيها الإنسان أن تُجد وتعمل، وعليك أن تحترم قوانين الكون وسننه لأنك لن تجد لسنة الله تبديلًا! ونظرة الإسلام هذه للدعاء نظرة فردية، فالإسلام يحترم سنن الكون، ويحث الإنسان على السعي، فالدعاء دون سعي ليس عصا سحرية للكسالى تحل كل المشاكل، والإنسان الذي لا يبدأ أولا بالعمل لا يحق له أن يتوقع من الله أن يأتي على مشاكله فيحلها كلها!

(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (الشورى 30)

بهذه النظرة يحترم الإسلام العقل والعلم والكون وقوانينه، فتندثر العقليات التي تبحث عن الخوارق والكرامات (5).



  رد مع اقتباس
قديم 10-27-2019, 02:30 AM HUMAN غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [9]
HUMAN
عضو برونزي
الصورة الرمزية HUMAN
 

HUMAN is on a distinguished road
افتراضي

و سورة الجن ؟ ماهو تفسيرها الذي يحترم العقل والمنطق ؟!

زواج محمد من زوجة إبنه ؟!!

زواجه من طفلة في التاسعة من عمرها و هو رجل خمسيني ؟!

تشريع الجزية العنصري الإقصائي والمخزي في القرآن؟!

آيات رجم الجن بالنجوم ؟! هل هذا من المنطق في شيئ ؟!

طيران محمد على متن مخلوق مجنح ؟! هل هذا هو المنطق والعقل ؟!

أنا هنا لا أحاول خلق نقاش بخصوص هذه النقاط فالنقاش مع المؤمنين أمر إنتهيت منه من زمان.. فمن يؤمن ويصدق بمثل هذه الأمور لابد منه أن يذهب ليرى طبيب نفسي ولا أقصد الإهانة مطلقا .. فالأمر خطير بشكل جدي .



  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الأد, القرآني, عَجن


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

البحث المتقدم
اسلوب عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع