شبكة الإلحاد العربيُ  

العودة   شبكة الإلحاد العربيُ > ملتقيات الفنون و الآداب > ساحة الشعر و الأدب المكتوب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع اسلوب عرض الموضوع
قديم 06-29-2019, 03:25 PM أفلاطون غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [1]
أفلاطون
عضو ذهبي
الصورة الرمزية أفلاطون
 

أفلاطون is on a distinguished road
oy7yy6 ثلاثية أفلاطون

هذه الثلاثية مجرد قصة خيالية صغيرة للفتيان والفتيات

الجزء الاول: بين القصرين.

يحكى أنه كان في قديم الزمان سلطان يحكم في الإنس والجان، وكان يدعى سلطان الزمان، وكان له قصر عظيم يطل على سبعة خلجان، فيه حدائق وبساتين عنب وخوخ ورمان، ومسابح وأشجار ونخيل ونوافير ماء في كل مكان، وكان قصره من عجائب الزمان، فيه ستائر مخملية ومرمر صقيل، وكان الخدم يطبخون له كل يوم جميع أصناف الطعام، من مخ الحمل وصدر الحمام، وأفخاذ النعام وجناح اليمام، وخمسين من الخرفان، وخمسين من الحيتان، مشفوعة بأباريق النبيذ والمدام، وكانت له ألف صبية من الصبايا الحسان، كجمال بنات القوقاز والبلقان، والأرمن والشيشان، يقضي نهاره وليله بينهن وهو سكران، هائم نشوان. وكان له طفلان، تعتني بهما عرابتان، من النساء الحسان، ويأتيهما قس يعلمهما الإنجيل وفقيه يعلمهما القرآن.
فلما بلغ سلطان الزمان السبعين عاما، وقد شب طفلاه وأصبح كل منهما شابا قويا يافعا، قرر الشابان أن يقتلا أباهما السلطان الفاسق الفاجر، الذي يعيش حياة خمر ومجون، ولهو وطرب وجنون، لأنه شيخ كبير، وقد أرادا قتله لكي يستوليا على حكم تلك البلاد. وكانت البلاد في أسوأ حال، تعاني من المجاعة والفقر الشديد، وكان الناس يأكلون الموتى والأعشاب وجيف الحيوانات من شدة الجوع.
قام الابنان بقتل السلطان، واستولى أكبرهما على القصر العظيم، بينما جاء الثاني بالمهندسين والبنائين من أبناء البلاد فبنوا له قصرا عظيما قرب قصر أخيه يفوقه سحرا وجمالا وبهاء، ولما كان أخوه قد جاء من أبناء البلاد بألف صبية كأنهن اللؤلؤ والمرجان، فقد جاء الأخ الثاني بعشرة آلاف صبية يفوق جمالهن جمال البنات الإسبان، والروس والألمان، وكانت بينهن صبية في قمة الجمال والحسن، أخذوها من زوجها ليلة زفافها، وكان الأمير يحبها ويفضلها تفضيلا، وكان مغرما بها من أول نظرة، وكان اسمها طولا.
وعندما طلب البناءون والمهندسون أخذ أجورهم بعد الانتهاء من بناء القصر، أمر الأمير بذبحهم وتعليقهم في أوسع ميدان وسط البلاد حتى تأكلهم النسور والعقبان، عقابا لهم على جرأتهم على أخذ المال من الأمير.
وبذلك أصبح كل أمير من الأميرين يعيش في قصر من عجائب الزمان، بين البساتين والأشجار والمسابح والأنهار والنبيذ والأقداح والصبايا الملاح والغناء والطرب والمتعة التي تصل الليل بالنهار والنهار بالليل.
وكانت المسافة بين القصرين العظيمين لا تتجاوز المائة متر، وفي النقطة الوسط بين القصرين، بين ليلة وصباح، خرجت من الأرض نخلة باسقة فارعة الطول، وحط عليها لقلاق عجوز عمره مائة عام، بنى عشه فوقها وتربع مستويا ومنقاره إلى السماء، يشرب به من ماء الغيوم، ويأكل به النجوم كأنهن حب ذرة، فتعجب من ذلك الأميران كل العجب، واستغربا كل الاستغراب، واندهشا كل الاندهاش، فكيف تنمو هذه النخلة العالية في ليلة واحدة؟ ومن أين أتى هذا اللقلاق الغريب الذي ينقر القمر بمنقاره؟
جاء الأميران بأشهر حكماء البلاد، وأكبر السحرة والمنجمين والكهنة ليعرفوا سر النخلة واللقلاق، فلم يعرف أحدهم السر، فكانوا يذبحون ويسلخون ويصلبون بأمر من الأميرين، حتى سمع الأميران بكاهن عظيم أسمه شق، عمره مائة وخمسون سنة، وهو رأس طالع من صدر ليس له يدان ولا رجلان، وإنما يحمله خادمه في سلة فيأتي به.
جاء شق، وشاهد النخلة واللقلاق، فقال: والليل الأطحم @ والذئب الأدلم @ والجذع الأزلم @والحلك الدامس @ والنسناس الهامس @ إن أباكما لسلطان @ وإنه حكم الإنس والجان @ وهذا اللقلاق وزيره من الجن جاء للانتقام بسوط من نيران@.
فأصاب الأميرين غضب شديد ورعب عظيم، فصاح الأمير الأكبر بالكاهن شق: وما قولك في هذا؟
أجاب شق: لقد قلت.
وقبل أن يقررا إعدام الكاهن شق، كان شق قد اختفى، وبقي خادمه فذبح وصلب في ميدان من ميادين البلاد، حتى نزلت النسور والعقبان، تنهش جسده وتأكل من لحمه.
وسمع الأميران بكاهن اسمه سطيح، وكان عمره مائة وأربعون عاما، وسمي بذلك الاسم لأنه كان مشوها بدون أطراف ولا عمود فقري، وإنما كان كالبضعة الملقاة على الأرض، وكان إذا غضب تكور فجلس، فنودي عليه فجيء به، فلما رأى اللقلاق فوق النخلة قال: لا أقسم باللوح الخافق @ والليل الغاسق @ والصبح الشارق @ والنجم الطارق @ والمُزْن الوادق @ والفجر الغابش @ إن هذا اللقلاق وزير الجن @ وهو لأبيكما موال ونصير @ جاء ليأخذ بالثأر وإن أمره لخطير [email protected]
فشعر الأميران برعب وهلع يشيب لهما الولدان، فصاح الأمير الأصغر بالكاهن سطيح: وما الذي سيحصل بعدها؟ أجاب سطيح: لقد قلت.
وأراد الأميران إعدام سطيح لكنه اختفى بشكل مفاجئ، ولم يعرف أحد أين ذهب ولا كيف اختفى.
ومنذ ذلك اليوم أصبح الأميران يعيشان حياة خوف واضطراب، ويتساءلان ماذا يمكن أن يفعل هذا اللقلاق وهو فوق هذه النخلة، وأي انتقام سينتقم منهما؟ وكان الأمير الأصغر يجلس في حديقته قصره ويشرب كثيرا من الخمر ولكنه يظل يقظا خائفا متوجسا متشائما من النخلة المرعبة واللقلاق الغامض.
وفي الليلة الموالية أخذ اللقلاق بمنقاره نجمة سماوية ورماها على قصر الأمير الأكبر فاشتعلت فيه النيران، وكان الأمير الأصغر متكئا وقتها في بستان قصره بين الصبايا الملاح في مداعبة ومغازلة وتقبيل وعناق وخمر وطرب، والصبايا فيهن العازفة والمغنية والراقصة، فلما رأى مشهد النيران تتصاعد من قصر أخيه الأكبر قام يجري مذعورا وخرج من القصر يقصد الخلاء، وقد اشتعل القصر وراءه نيرانا، وظل يجري ويجري حتى ضاع في غابات شاسعة.

الجزء الثاني: قصر الشوق.

استمر الأمير تائها في الطريق حتى رأى قبة بعيدة، فاتجه نحوها رغم تعبه الشديد.
وبعد ثلاثة أيام من المشي المتعب والإرهاق الشديد وصل إلى تلك القبة، فوجد صومعة وقبة وبناء يحيط به سور، ورأى الباب الحديدي الكبير، فاتجه نحوه وطرقه بالمزلاج الحديدي الضخم الصدئ المهترئ، فنزل من الصومعة راهب، وجهه شاحب، وفتح له الباب، وأدخله إلى داخل القبة.
واعتنى به الراهب وقدم له الطعام والشراب واللباس، ولم يتكلم معه بكلمة، بل صعد إلى صومعته، واستمر في إنشاد شعر عجيب:

ببرود دمِ
هتكت قدمي
حرمة الحرمِ
هل ستغفر لي
زلة القدمِ؟
حسرة ألجمت
قلمي وفمي

وقف الأمير متعجبا من الراهب، فقد ظنه رجل دين، فإذا هو شاعر معتكف في تلك الصومعة المهجورة، يتلو شعرا بلحن غنائي حزين مسترسل، ولم ينظر إليه الراهب كأنه لا يشعر بوجوده، واستمر في الإنشاد بتجويد ساحر وغنة فريدة:

عاصرا لوعتي
جارعا ألمي
قائدا مركبي
في بحار الدمِ
عارفا خطئي
نادم الندمِ
تصطلي داخلي
حمم الحممِ
سأعود لها
لاثم القدمِ

تأثر الأمير للشعر الذي ينشده الراهب، فجلس بجانبه، واستأنس به، وأخذ يستمع للشعر الذي ينشده الراهب وهو في شبه غيبوبة، ولاحظ أن دموع الراهب بدأت تسيل وهو ينشد بلحن طروب:

اغفري خطئي
وارحمي ندمي
واقبلي توبتي
وانظري سقمي
فأنا وغـدي
في فم العـدمِ
أن أخون الهوى
ليس من شيمي
ها أنا عائد
أبيض العلمِ
إنني شارب السم في الدسمِ

أخذ الأمير أيضا يبكي متأثرا بإنشاد الراهب، وتذكر الصبية المليحة طولا التي كانت في قصره، وكان يحبها ويفضلها على بقية الصبايا، وتذكر كيف كان يجعلها تجلس على فخذيه في سهرات الأنس والطرب، والكأس بيده، فكان يغازلها ويقبلها ويسقيها من كأسه، وكان يشرب الخمر من فمها ويخبرها بأنها ملاكه الأسطوري، وبأنها عشقه الخرافي الأبدي.
بكى الأمير كثيرا وبكى الراهب، وتوقف الراهب عن الإنشاد لحظة، وأخذ ينظر في عيني الأمير، فكانت نظرات هذا الأخير تحثه على مواصلة الإنشاد والاستمرار فيه، فواصل الراهب إنشاده الحزين بنغم عجيب:

كل ما بيننا
مر كالحلـمِ
كنت يا ملكي
مهجتي ودميِ
كم عزفنا معـا
ساحـر النغـمِ
أنت أعطيت فـي
كرم حاتـمي
وأفضت علي من النعمِ
أنا من ضيع الصدق في القسمِ
أنا عدت فقـط
لتري ندمي

اشتد البكاء على الأمير والراهب، والحقيقة أنه يجمعهما حال واحد، وهو حرارة الشوق وغصة الوجد ولوعة الفراق والبعد عن الحبيب، واكتشف الأمير أنه كان يحب تلك الصبية التي لن يراها بعد اليوم ولا يعرف مصيرها ولا أي ميتة ماتت، وطلب الأمير من الراهب أن يتوقف لالتقاط الأنفاس والتعارف ولكي يحكي كل منهما قصته للآخر، لكنه الراهب واصل الإنشاد، وأصبح الأمير ينشد معه ويعيد الأبيات وراءه ودموعه تنزل حارة:

هـذه عـودتي
تعِـب القـدم
نادما، غرضي
صلة الرحـمِ
أربي واحد
هـو أن تحلَـمي
سامحي أسترح
وارحمي أنمِ
سامحي أسترح
وارحمي أنمِ
وارحمي أنمِ
وارحمي أنمِ

وسقط الراهب مغشيا عليه، فقام الأمير بسرعة يرش الماء على وجهه لينعشه ويجعله يستفيق من غيبوبته..
وفي الليل جلس الأمير والراهب في قبة القصر على ضوء شمعة، ولم يستطع الأمير أن يحكي للراهب حقيقة قصته، لأنه يعرف أن سكان البلاد كلهم يكرهون الأمير، فاختلق له قصة خيالية، فقال له الراهب: أحس قصتك باردة لا روح فيها، أما أنا فقصتي أليمة، فقد أحببت فتاة وفي يوم زواجنا أخذها مني الأمير، فقد جمع الأمير عشرة آلاف صبية من جميلات البلاد، وكانت تساق معهن وهي تبكي وتنظر إلي نظرة استنجاد وأنا عاجز عن فعل أي شيء لإنقاذها.. أريدها أن تسامحني.. لقد أخذوها مني أمام عيني في يوم زواجنا، وساقوها مع الصبايا كأنهن بضاعة سرقها الأمير لعنة الله عليه.. كلما أتذكر نظرتها الأخيرة إلي تفيض عيناي بالدموع.
ترقرقت عينا الراهب بالدموع وأضاف: منذ ذلك اليوم هجرت عالم الناس واعتزلت هنا في هذا المكان، تفرغت لمناجاة خيال حبيبتي في هذه القبة.. لذلك أنا أسمي هذا المكان "قصر الشوق".. لأنني أناجي فيه طيف خيالها من شدة أشواقي إليها.. وفاضت عيونه بعيون من الدموع، وفاضت عيون الأمير، وتساءل الأمير مع نفسه: ألا تكون هي؟
فقال للراهب: أرجوك صف لي حبيبتك.
فقال له الراهب: صف لي أنت أولا.
فأتاه الأمير بأوصاف بعيدة لإبعاد الشكوك، فقال الراهب: الصفات التي تذكر لي كأنها ليست لبني البشر، فهي صفات جافة خالية من الروح ومن الإحساس، أما حبيبتي أنا فهي صغيرة الجسم، كبيرة العيون، رائعة الابتسامة، سمراء مليحة، مربوعة القد، أسيلة الخذ، رموشها كمروحتين من ريش الطاووس..
فبهت الأمير وتاه فكره وشرد.. إنها أوصافها هي!! فوقع الأمير مغشيا عليه ولم يعرف ماذا حدث له بعد ذلك.
وقد خاف الأمير أن يعرف الراهب حقيقته، فقرر أن يرحل عن ذلك المكان الغريب، وخطط للرحيل دون أن يشعر به الراهب، فتسلل في الصباح الباكر إلى خارج قصر الشوق، وترك الراهب وراءه يغط في نوم عميق، وكان الفجر قد تفجرت ضياءه والسماء في حالة غسق مهيب، والذئاب تعوي كأنها تنادي السحاب الدامي.. والأمير يشق طريقه في القفار نحو المجهول.
مشى الأمير طويلا في الصحراء الخالية، وتعب كثيرا وندم على اختياره ذلك الطريق، وفي عز شعوره بيأس شديد، أحس بطائر كبير يحوم فوق رأسه، فرفع عينيه إلى الطائر، فقال له الطائر: اتجه إلى الأمام، واستمر في طريقك، ستجد رجلا يجلس تحت شجرة، لا يتكلم أبدا، لكنه يقول كلمة واحدة كل عام، وقد اقترب الوقت الذي سيقول فيه كلمة هذه السنة، فاذهب إليه لتسمعها لعلها تفيدك، فكلماته فيها حكمة كبيرة. ثم حلق ذلك الطائر بعيدا وغاب في الأفق، فبقي الأمير الهارب يتعجب ويستغرب، واستمر في طريقه يومين متتاليين، وعندما شعر بالملل واليأس، رأى رجلا يجلس تحت شجرة وهو صامت، فذهب إليه واقترب منه، فوجده لا ينطق ولا يتكلم، وإنما يحدق بعينيه إلى الأمام دون حركة ولا إشارة، وفي تلك اللحظة، بدأ الرجل يضطرب وينفعل كأنه يستعد ليقول كلمته التي يقولها مرة واحدة كل سنة، وبعد تركيز وانفعال قال الرجل: السكرية! ثم صمت. سمع الأمير الكلمة، وتساءل في نفسه عن معناها، ثم واصل طريقه.

الجزء الثالث: السكرية.

وبعد أيام من المشي المضني، تراءت له من بعيد قباب وصوامع، فعرف أنها مدينة من أجمل المدن، وكانت الطريق ممتدة أمامه وعلى جنباتها حقول قصب السكر.
وأخيرا وصل إلى المدينة، ودخلها من بابها الكبير، كانت أزقتها جميلة وواسعة، ومنازلها ذات بناء معماري بديع، وقبابها باذخة فاخرة ملونة بالأحمر والأخضر، ومساجدها ذات صوامع خرافية، انبهر الأمير بجمال هذه المدينة، ولكن الذي جعلته يندهش هو أن هذه المدينة لا سكان بها ولا أهل يعيشون فيها، فهي مدينة خالية!
استمر في تجواله في المدينة الصامتة الخالية، حتى وجد منزلا أمامه بستان جميل، فيه من الفواكه أشكال وألوان، فدلف إلى داخل البستان، وأخذ يقطف التفاح والعنب والرمان، ويشرب من ينبوع الماء حتى شبع وارتوى، وقرر أن يدخل إلى داخل المنزل ليرتاح فيه من عناء السفر الشاق المرهق، وقال لنفسه: سأرتاح أولا ثم أنظر في أمر هذه المدينة، فإنني أراها مدينة بلا سكان، وربما أنصب نفسي أميرا عليها.
لكنه عندما دخل المنزل وجد فيه صبية يافعة تبدو عليها علامات الكمال الذي يفوق بمراحل درجة الجمال، ولا أحد غيرها في البيت، كانت مستلقية على سرير في وسط الدار، وعلى وجهها نقاب يخفي ملامحها، وعندما دخل عليها رفعت عينيها إليه، فتفاجأت بقدومه، وصاحت به: أرجوك اتركني أنعم بميتة هادئة ولا تقربني!
فأجابها مندهشا: ولماذا يموت هذا الحسن والصبا في عز الشباب؟
فاستوت البنت جالسة وقالت له: بالله عليك قل لي من أنت!؟
قال: أنا مسافر تائه.
فقالت له: ومن أتى بك إلى مدينتنا؟
قال: قادتني قدماي إلى هنا بالصدفة، لكنني أراها مدينة هجرها سكانها.
فأشارت إليه بالجلوس على الأرض عند ركبتها وقالت: سأحكي لك قصة هذه المدينة الخالية، واتركني بعدها أموت في هناء.
جلس الأمير متعجبا، فقالت له الفتاة: هذه المدينة اسمها السكرية، لكثرة حقول قصب السكر حولها، وكذلك حلاوة فاكهتها ووفرة تمورها وكثرة شهدها وعسلها، وقد كانت مدينة غنية تعيش في رفاهية كبيرة، ولكن كان لدينا حاكم ظالم غريب الأطوار، مجنون الأفكار، وكان قريبا من مدينتنا مدينة أخرى أجمل وأغنى من هذه المدينة، وحاكمها أكثر جنونا وظلما من حاكمنا.
وفي يوم مشؤوم جاءت إلى المدينة صبية جميلة جدا هاربة من مدينة بعيدة، فلما رآها حاكمنا قرر الزواج منها لجمالها الباهر، وسمع بها حاكم المدينة المجاورة وحكى له وزراؤه عن جمالها وحسنها الساحر الآسر، فقرر هو الآخر الزواج منها، فأعلن الحرب على مدينتنا، وأعلن حاكمنا الحرب عليه، فقامت معارك ضروس، ومات الجنود، وحينها أقسم كل أمير على أن يتزوج الصبية الجميلة ولو اقتضى الأمر مقتل جميع سكان مدينته!
فأخذ الحاكم شباب ورجال مدينتنا إلى الحرب وجندهم جميعا، وكذلك فعل حاكم مدينتهم، كان يأخذهم غصبا عنهم، ومن يرفض التجنيد كان يذبح ويسلخ ويصلب في الساحة العمومية، ومات الكثير من المحاربين، فأخذ كل حاكم يجند النساء، واستمرت الحرب التي مات فيها عشرة آلاف إنسان، حتى لم يبق سوى الحاكمان، وكانت النهاية مواجهة مباشرة بينهما، فوجه كل منهما ضربات قاتلة إلى الآخر وكان لكل منهما سيف مسموم، فمات حاكمنا أولا، ثم بعد يوم ونصف مات الحاكم الآخر.
فسألها الأمير متعجبا: وما مصير الفتاة؟
قالت: الفتاة هي أنا.
لقد تسببت في حرب مات فيها عشرة آلاف إنسان، وأنا الآن صائمة عن الأكل والشرب حتى الموت، لأنني كرهت هذه الحياة.
فسألها مرة أخرى وقد زاد اندهاشه: ومن أين أتيت؟
قالت: هربت من قصر كان يحترق في مدينة بعيدة، كان يمتلكه أمير داعر عاهر.
فسألها بمزيد من الإلحاح: وأين كنت قبل أن تصبحي عشيقة في قصر ذلك الأمير؟
قالت: اختطفني الأمير من بين يدي عريسي في ليلة زواجنا.
فقال لها: بالله عليك أزيلي ذلك النقاب عن وجهك لأراك!
فلما أزالت النقاب عرفها، إنها حبيبته التي كان يعشقها عندما كان أميرا في قصره، وهي الفتاة التي يعشقها راهب الصومعة.
فقال لها: هل عرفتني؟ إنني أنا ذلك الأمير.
فنظرت إليه نظرات حائرة، وقالت له: أراك تغيرت كثيرا.
فأجابها: لوعة فراقك، وهروبي الطويل الشاق من مدينتي، كيف لا أتغير؟ لكن يجب ألا تقتلي نفسك، لست أنت من قتل ضحايا هذه الحرب، وسبب مقتلهم هم الحكام الحمقى وجمالك ليس ذنبك.
فصاحت به: وأنت؟ ألست حاكما أحمق؟ ألم تأخذني من زوجي ليلة عرسنا؟
فقال: إنني أعرف مكان زوجك، وأنا قادر على أن آخذك إليه الآن، للتكفير عن هذا الخطأ.
فقالت له: إن هذا هو الشيء الوحيد الذي أقبل به بديلا عن الموت.
وفي تلك اللحظة، وعدها بأنه سيأخذها إلى بيت زوجها الأول، فاستحلفته فأقسم بأغلظ الأيمان، ثم قدم لها بعض الماء والفاكهة لتسترد شيئا من عافيتها وتنتعش روحها وتتمكن من الحفاظ على حياتها، وفي اليوم الموالي شدا الرحال إلى صومعة الراهب.
وفي الطريق الصحراوي الصعب كان الأمير يحاول أن يتذكر طريق صومعة الراهب، وكان يرى أحيانا جبالا ونخيلا تجعله يتذكر الطريق أكثر، وأحيانا أخرى يكتشف أنه واهم، وأنه في طريق لا يعرفه أبدا..
وفي لحضة، سمعا فوق رأسيهما خفق أجنحة الطائر الكبير، فرفع الأمير رأسه، فقال له الطائر: فليكن طريقكما باتجاه الكوكب الهادي.. وحلق الطائر بعيدا، رفعت الفتاة الجميلة رأسها، فرأت الكوكب يلوح في أعماق السماء..
وأخيرا لاحت لهما من بعيد قبة الصومعة.
وبعد ساعات من المشي المتعب، وصلا إلى القبة التي يحيط بها سور، فقال للفتاة: هذه هي صومعة زوجك، إنه منعزل هنا يتذكرك ويناجيك، ويصلي ويبكي ويتلو الأشعار.
ووجد الأمير الباب مفتوحا، والمزلاج الحديدي غير مقفل، كما تركهما، فدخلا الصومعة، ودلفا إلى داخل القبة، وأخذ الأمير ينادي، ولكن لم يسمعا أي جواب، واتجه الأمير إلى المكان الذي كان يجالس فيه الراهب، فوجده على سريره ميتا. فلما رأت الصبية زوجها ميتا صاحت صيحة عظيمة وارتمت عليه وقد فاضت روحها.

ربيع 2016



:: توقيعي ::: الناس يحبون ما يريدونه أن يكون، ويؤمنون بما يتمنون حصوله!
لذلك: يخترعون كذبة ويصدقونها، يصنعون صنما ويعبدونه
يخلقون إلها ويخشونه ويخافون عذابه!
بل ولا يأمنون بطشه وانتقامه!!
  رد مع اقتباس
قديم 06-29-2019, 06:00 PM حَنفا غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [2]
حَنفا
عضو برونزي
الصورة الرمزية حَنفا
 

حَنفا is on a distinguished road
افتراضي

من اروع ما قرات في هذا المنتدى
سلمت اناملك



:: توقيعي ::: أين أجد من هو أشد مني كفراً لأستمتع بتعاليمه!
  رد مع اقتباس
قديم 06-29-2019, 07:38 PM أفلاطون غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [3]
أفلاطون
عضو ذهبي
الصورة الرمزية أفلاطون
 

أفلاطون is on a distinguished road
افتراضي

شكرا جزيلا لك.. مرورك سرني وأسعدني،،
هي قصة خيالية،،



:: توقيعي ::: الناس يحبون ما يريدونه أن يكون، ويؤمنون بما يتمنون حصوله!
لذلك: يخترعون كذبة ويصدقونها، يصنعون صنما ويعبدونه
يخلقون إلها ويخشونه ويخافون عذابه!
بل ولا يأمنون بطشه وانتقامه!!
  رد مع اقتباس
قديم 06-29-2019, 09:22 PM يسوع الابن غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [4]
يسوع الابن
عضو برونزي
الصورة الرمزية يسوع الابن
 

يسوع الابن is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أفلاطون مشاهدة المشاركة
شكرا جزيلا لك.. مرورك سرني وأسعدني،،
هي قصة خيالية،،
من أين خرجت يا هذا
ظننت أنك مت مع فنانك ذاك



  رد مع اقتباس
قديم 06-29-2019, 10:39 PM أفلاطون غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [5]
أفلاطون
عضو ذهبي
الصورة الرمزية أفلاطون
 

أفلاطون is on a distinguished road
افتراضي

نعم هو توفي، وانا أحمل المشعل من بعده،،
هو ذهب للجنة بسلام،،
وأنا ترك لي الأمانة: مواصلة الدرب..



:: توقيعي ::: الناس يحبون ما يريدونه أن يكون، ويؤمنون بما يتمنون حصوله!
لذلك: يخترعون كذبة ويصدقونها، يصنعون صنما ويعبدونه
يخلقون إلها ويخشونه ويخافون عذابه!
بل ولا يأمنون بطشه وانتقامه!!
  رد مع اقتباس
قديم 06-30-2019, 02:37 PM mystic غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [6]
mystic
عضو برونزي
الصورة الرمزية mystic
 

mystic is on a distinguished road
افتراضي

جميلة هذه القصة و محزنة ...



:: توقيعي ::: جد مكانك الحقيقي
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
أفلاطون, ثلاثية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

البحث المتقدم
اسلوب عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مادة جديدة ثلاثية الأبعاد قد تغير شكل بيوتنا ابن دجلة الخير العلوم و الاختراعات و الاكتشافات العلمية 0 03-25-2016 09:28 AM
كشف كذبة هيثم طلعت ثلاثية الابعاد ᒍᗩᗰᕮᔕ ᗷ〇ᑎᗞ العقيدة الاسلامية ☪ 23 03-20-2015 12:31 PM
ليام نيسون يعتنق الأسلام بسبب الجزء الثاني من ثلاثية taken سيد الخواتم العقيدة الاسلامية ☪ 12 01-08-2015 06:25 AM
أفلاطون.. أأأه يا أفلاطون.. السيد مطرقة11 الأرشيف 1 09-13-2014 09:07 PM