شبكة الإلحاد العربيُ  

العودة   شبكة الإلحاد العربيُ > ملتقيات في نقد الإيمان و الأديان > العقيدة الاسلامية ☪

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع اسلوب عرض الموضوع
قديم 04-09-2019, 03:41 PM توليستوي غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [1]
توليستوي
عضو برونزي
الصورة الرمزية توليستوي
 

توليستوي is on a distinguished road
افتراضي لا تعارض بين الدين و العلم (2)

قسم أرسطو العلل إلى أربع فئات وهي : العلة المادية، و العلة الصورية، و العلة الفاعلية، و العلة الغائية.
العلة المادية تعني المادة التي يتألف منها الشىء فإذا ضربنا مثلا لذلك بطاولة خشبية، فإن علتها المادية هو الخشب أي المادة الخام التي تتألف منها الطاولة. و العلة الصورية هي الهيئة التي اتخذها الخشب، وهي هيئة الطاولة في المثال المضروب. و العلة الفاعلية هي كيفية صناعة الطاولة، وهي النجارة و أدوتها. و العلة الغائية وهي الغاية التي لأجلها صنعت الطاولة، لوضع الطعام عليها على سبيل المثال.
مجال العلم هو البحث في العلة المادية و الفاعلية و يحجم بشكل عام عن البحث في العلل الغائية.
فالعلم بالأساس يبحث في الجواب عن: مما تتألف الأشياء و كيفية نشأتها. فإذا ضربنا مثلا بالأحياء. فالعلم يبحث في بنية الكائنات الحية ومن أي شيء تتألف و يبجث في كيفية نشأتها و تنوعها. ونظرية التطور هي الإجابة التي قدمها العلم، بمفهومه الإصطلاحي، حتي يومنا هذا عن السؤال الأخير أي كيفية نشأة الأنواع – وليس أصل الحياة - و التنوع البيولوجي. لكن العلم لا يبحث في الغاية من وجود الأحياء ولا لأي غرض نشأت.
هذا المبحث الأخير و الذي اصطلح على تسميته بالغائية أو Teleology تبحث فيه، إلى جانب الأديان، الفلسفة.
ويذهب الفلاسفة الماديون إلى أن الطبيعة لا غاية من ورائها وهذا الاتجاه يعرف بالعدمية و هذا بخلاف ما يذهب إليه كانط و هيجيل على سبيل المثال.
أما الأديان، على الأقل الأديان الإبراهيمية، فهي قائمة على مبدأ الغائية وهذا هو مجالها. فهي تعالج مسألة الغاية من الوجود. فتقدم أجوبة عن: لأي غرض وجد الإنسان و لماذا وجدت الطبيعة ولأي هدف نشأت الأحياء.
وكما أن العلم يحجم عن الخوض في الغائية فالأديان، وأنا ههنا أخص الإسلام بالذكر، تحجم عن الخوض في الفاعلية على الأقل على نحو مفصل. تاركا هذا الأمر لبحث الإنسان و نظره. و يتعرض لمسألة العلة الفاعلية بما يخدم غرضه في تناول العلة الغائية. فالدين يؤكد أن إرادة الله هي العلة الفاعلية النهائية لوجود الإنسان و الطبيعة و الأحياء و الكون بشكل عام كتوطئة لتفسير الغاية من الوجود، لكنه لا يفصل كيف أن الله أوجد الكون الطبيعة و الحياة تاركا هذا الأمر كما تقدم لتأمل الإنسان. بل القرآن يحث على ذلك و من هذا الباب قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت: 20).
فإذا أدركنا هذا التباين في طبيعة و جوهر الدين و العلم بمفهومه الإصطلاحي يسهل علينا فهم لماذا لا يستلزم وجود التعارض أن يطرح أحدها جانبا.
العلم بطبيعته استقرائي يقدم نماذج تقريبية للواقع ويميل لتصوير الواقع على أنه يسلك سلوكا منتظما من خلال تلك النماذج التي يقدمها كأدوات لتصور الواقع و التنبؤ به. و في غضون ذلك يجعل نصب عينيه التطبيقات العملية المتفرعة عن وضع تصور للواقع و النظر إليه على كونه يسلك ذلك السلوك المنتظم الذى تصوره النماذج، وإن كان الواقع في نفس الأمر أكثر تعقيدا كما بسطت الحديث عن ذلك في المقال السابق.
و العلم لا يفترض اليقينية في النماذج التي يقدمها بل افتراض اليقينية فيها يختزله من أصله و يقوضه من أساسه. لأنه في اللحظة التي يُفترض فيها اليقين في النموذج يتجمد عندها البحث العلمي.
و بخلاف الغاية من وجوده فالإنسان لا يضيره حالة عدم اليقين فيما يخص تصور الواقع المادي كما يعالجه البحث العلمي. فالإنسان يفيد على كل حال من تلك النماذج ويجد لها تطبيقات نافعه في معاشه بالرغم من طبيعتها الاحتمالية. أما فيما يخص الغاية من وجوده فاليقين فيها لازم و الجزم فيها ضروري. فلا يصح أن يظل الإنسان متشككا في الغاية من وجوده ولأجل ذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ليقيم الحجة على الناس ولم يترك الأمر لنظر الإنسان و تأمله. ولذلك لما رغب الناس عن هدي الرسل اختلفوا حتى ذهب بعضهم إلى أنه لا غاية أصلا من وجودنا وأننا كما ذكر القرآن عن هؤلاء منكرا عليهم : نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ. (الجاثية: 24) و رد عليهم بقوله: وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. و بقوله: أفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. و بقوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. و بقوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ. و في المقابل أثنى على الذين يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. قائلين :رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وكما أنه من النافع تصوير الواقع المادي على النحو الذى تقدمه النماذج العلمية التقريبية الاحتمالية حتى ولو كان الواقع المادي في نفس الأمر ليس كذلك وأن النماذج لا تخلو من تبسيط للأمور. فمن الضروري تصوير خلق الإنسان و أصله على النحو الذى يقدمه الدين من أن الله خلق الإنسان خلقا خاصا وكرمه على سائر المخلوقات وأسجد له الملائكة و أنه سَخَّرَ للإنسان مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ، وليس تصويره على أنه حيوان يشترك في سلف مع القردة!.
فالاعتقاد يقينا في كون الإنسان خلق خلقا خاصا على ذلك النحو الذى يصوره القرآن و أكد عليه في غير موضع ليس واجبا فقط لأنه واقع الأمر بل لأنه ضروري أيضا على صعيد تفسير الغاية من وجود الإنسان. وإذا تسرب الشك في ذلك إلى القلب لم يؤدي ذلك الدور المنوط به بل صار من تسرب إليه الشك ينظر إلى الأمر على أنه "أكاذيب مريحة" و أن اللاغائية و العدمية هي "حقيقية مؤلمة" !
و لذلك فالتعارض بين الدين و العلم بفمهومه الاصطلاحي في شأن أصل الإنسان مثلا لايلزم معه طرح أحد التصورين جانبا لأن كل منها يؤدي دور. و الدين و العلم لهما أهداف متباينة و مقاربة مختلفة فيما يتصل بهذا الشأن. وتصور الأمر على هذا النحو يزيل التنافر بين الدين و العلم و يجعل من الدين و العلم مشاريع لها أدوار يكمل بعضها بعضا.
وأنا لا أحاول أن أقدم ههنا البرهان على كون التصور الإسلامي عن أصل الإنسان هو واقع الأمر لأن هذا ليس له برهان مستقل عن البرهان على صحة الإسلام بوجه عام وهذا بدوره لا يعالج في مقال بل على هذا مدار الجدال و النقاشات المحتدمة بين المسلمين و خصومهم. لكن الغرض أن أوضح كيف أن التعارض لا يلزمنا منه كمسلمين طرح التصور الديني أو العلمي الاصطلاحي، وأؤكد على جزئية العلم بفهمومه الإصطلاحي وإلا فالوحي في منظورنا علم بل هو أشرف العلوم وأصدقها.



:: توقيعي ::: القليل من العلم يبعدك عن الله، و الكثير منه يقربك منه. لويس باستور
  رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الدين, العلم, بين, تعارض


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

البحث المتقدم
اسلوب عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لا تعارض بين الدين و العلم توليستوي العقيدة الاسلامية ☪ 42 04-09-2019 08:43 PM
أرشيف التناقضات الواضحة بين العلم و صحيح الدين الإسلامى الشخرستانى مواضيع مُثبتةْ 65 08-28-2017 01:24 AM
العلم و الدين kaled eid الجدال حول الأعجاز العلمي فى القرآن 1 04-01-2017 02:00 AM
نظرية التطور او الانتخاب الطبيعي لا تعارض الدين... نجمة الجدي ساحة الاعضاء الجدد Ω 88 02-25-2016 03:43 PM
الرد الكامل على الملحدين .. فى أرشيف التناقضات المزعوم بين العلم وصحيح الدين ميراج العقيدة الاسلامية ☪ 28 12-03-2014 12:34 PM