شبكة الإلحاد العربيُ  

العودة   شبكة الإلحاد العربيُ > ملتقيات الفنون و الآداب > ساحة الشعر و الأدب المكتوب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع اسلوب عرض الموضوع
قديم 12-31-2016, 02:08 AM حكمت غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [1]
حكمت
الباحِثّين
 

حكمت is on a distinguished road
افتراضي وحش الظلام الدامس....قصة قصيرة

منذ كنت طفلا، لا أدري لم تم عقد قران بين مشاعري والليل....رغم براءة الأطفال في ذاك السن، إلا أني كنت أحس بالسعادة كلما بدأت خيوط الليل تنسج رداءها الأسود الحالك، عكس ما كانوا يخيفونني منه ومن الوحش الذي يأتي معه....
الليل ومعه وحش الظلام الدامس، ذلك البعبع الذي لطالما خوفونا منه، وطالما صدعوا رؤوسنا بأنه مرعب الأطفال، وسارق النوم منهم، كان يأتي الليل ويأتي معه وحش الظلام الدامس، ولكنه لم يكن وحشا كما يدعون، بل كان بهيئة بائس، ثيابه مرقعة، حفرت حكايات الأهل وأكاذيبهم أخاديد الشيخوخة على وجهه.
كان يقضي عقوبة بالسجن، بسبب تهمة لفقها له اغلب البشر، لا يكاد يقوى على الحديث، فكيف لكائن لا يقوى على الكلام أن يسرق النوم من الأطفال ويقض مضاجعهم....
كان أبي يخبرني عن فظائعه دوما، كيف أن شقاوتي في النهار، لن تمر مرور الكرام، بل سيأتي الليل ومعه ذاك الوحش (وحش الظلام الدامس).
انتظرته في تلك الليلة.....بقيت مستيقظا عسى أن أرى ذلك الوحش، فأواجهه وأضع حدا لتصرفاته الهوجاء مع الأطفال الأشقياء....
بدأت خيوط الظلام بالتغلغل شيئا فشيئا، وذلك الرداء الأكحل بدأ يُنسج شيئا فشيئا، وأنا جالس في فراشي أنتظر ذاك الوحش، ولا أدري لماذا لم أكن خائفا منه، ولعل صفة التمرد على الواقع، وعدم الرضا بما يفرض على أفكاري قسرا، كانت الشمعة التي رفضت الإنصياع لأوامر الجهل، وأصرت على ان تبقى مضيئة بين تلافيف دماغي لأبقى بصيرا في بحثي عن الحقيقة.....
وبينما أفكر في ذاك الكائن الرهيب....بدأت ملامح جسد متمزق تتراءى في الظلام...أشلاء أفكار بدأت تكون جسدا امام ناظري، ولكن نظري لم يتزحزح عنه، وطردت مشاعر الخوف التي تملكتني للوهلة الأولى، وركزت بصري تجاهه، رافضا أن أتخلى له عن أي شيء فيسلبني إياه، فضلت المواجهة على الاستسلام...
بدأ ذاك الكائن يقترب مني شيئا فشيئا، وبدأت نبضات قلبي تسرع لتتناغم وإيقاع خطواته، حتى أصبح أمامي مباشرة، واقترب بوجهه مني، لدرجة أن أنفاسه بدأت تضرب وجنتي الصغيرتين، وتصادمت ابصارنا معا، ولمدة ليست بالقصيرة....
في البداية، كان الغضب يصدر منه، والزبد الذي ينزل من فم الوحش، كان يكلأ فمه، ولكن اصراري على مواجهته، جعل تلك الأشياء، تتلاشى تدريجيا، وفمه الذي كان يزبد، بدأ يرسم ضحكة خفيفة، كسرت احتداد الجو بيني وبينه، فقال لي مبتسما: حييت أيها الطفل الشجاع...
أجبته والدهشة تملؤني: من أنت!!! لا تقل لي أنه وحش الظلام الدامس....
فنزلت دمعة من عينيه وقال: حتى أنت تقول عني وحشا، سامحتك الآلهة، ألا أحد في هذا الكون يراني بغير صورة الوحش...
أجبته: عفوا، لكن هذا ما سمعته عنك، انت ذاك الوحش الذي يسرق النوم من الأطفال الأشقياء ويعاقبهم على تعذيبهم لأهلهم....
صمت ذاك الكائن، وبدأ يبتعد عني ببطء، ناديته: أرجوك لا تذهب أنا آسف، لم أقصد الإساءة، أرجوك عد واقبل اعتذاري....
توقف قليلا، وأخرح من جيبه شمعة صغيرة وأشعلها لأرى ملامحه، ويا للصدمة، فقد كان منهكا جدا، بالكاد يستطيع الوقوف، كإنسان اهلك الدهر عظامه، وتآكلت ملابسه من كثرة احتكاكه بجدران الحياة، انسان جائع تائه، يحتاج إلى مأوى دافئ، في عقول أحدهم، فيقيه شر البرد الذي يضرب جنباته من كلام الناس اللاذع...
استوقفني منظره المحزن، ودموعه التي كانت تجري رقراقة على وجنتيه فقلت له: هل أنت الذي يخيفوننا منك؟؟ كيف لكائن مثلك أن يسرق نوم الأطفال، وهو بالكاد يقوى على الوقوف والكلام....
تنهد بحزن وقال: لا أحد يعلم الحقيقة ايها الطفل الشجاع، فمنذ ولادة الليل، ولدت أنا معه، ونشأت وترعرعت معه، لقد كنا وحيدين أنا والليل أيها الطفل الشجاع...ولكن...
قلت له: ولكن ماذا؟ اكمل قصتك تلك أرجوك....
صمت قليلا ثم قال: تواطئت عقول البشر ضدي، وأصروا على عدم تركي حرا طليقا، فصنعوا في عقولهم لي بيتا، لا أخرج منه إلا ليلا....وليتني لم أقبل بذلك الماوى
قلت له: يجب أن تفرح فقد أهداك البشر بيتا يأويك....
قال: هذا البيت هو سبب تعاستي، فقد حكم علي البشر بمنعي من الخروج إلا ليلا، واصبحوا في النهار ينسجون عني القصص والحكايا، فأكون حبيس بيتي اللعين، ولا استطيع الخروج والدفاع عن نفسي لإظهار الحقيقة، ويأتي الليل، فأخرج لا أجد أحدا، وكلما اقتربت من طفل لأتحدث معه، فإنه يبدأ بالصراخ والبكاء ويعجز عن النوم، فتزداد سمعتي سوءا، وتثبت اتهامات البشر علي، فلا أستطيع دحضها، ويزداد ألمي معها يوما بعد يوم.....
قاطعته قائلا: ولكن لم تختار الأطفال دون سواهم, ألا يمكنك التحدث إلى من هم أكبر سنا؟؟
أجابني: لا ايها الطفل الشجاع، فالكبار هم من وضعوني في سجني هذا، البشر ظالمون، وعديموا الانسانية، فكل إنسان كبير يعرف الحقيقة، يعرف ببراءتي، ويعرف أن لا ذنب لي في كل ما يحدث، ويعرفون بأني بريء من أقوالهم واتهاماتهم، ولكنهم لا يريدون تبرئتي، واطلاق سراحي، فأنا كالشماعة التي يعلقون عليها سوء معاملتهم لأطفالهم، وعدم قدرتهم على استيعابهم واستيعاب شقاوة الطفولة، يتهمونني بأني والليل، نتستر على فظائع الدنيا، ونتسبب بها، رغم أنه هم من يقومون بتلك الفظائع، والجرائم، إلا أنهم يرفضون تحمل مسؤولياتهم، فجعلوا مني أنا والليل كبش فداء، وحملونا ما لا طاقة ولا ذنب لنا به....
ساد الصمت بيننا، وبدأ وحش الظلام الدامس، يبتعد شيئا فشيئا، وقبل أن يختفي التفت إلي، فابتسم لي، وابتسمت له، وأدركت حينها حجم الظلم الذي ناله على مدى آلاف السنين، وأدركت أن هذا الكائن لا يمكن أن يؤذي أحدا ولا طفلا، وأدركت حينها مدى ظلم البشر، ومنذ تلك اللحظة، اصبح الليل ووحش الظلام الدامس، صديقيّ المفضلين
..
..
بقلم: أبو الفهد



:: توقيعي ::: طربت آهاً....فكنتِ المجد في طربي...
شآم ما المجد؟...أنت المجد لم يغبِ...
.
بغداد...والشعراء والصور
ذهب الزمان وضوعه العطر
يا ألف ليلة يا مكملة الأعراس
يغسل وجهك القمر...
****
أنا ضد الدين وتسلطه فقط، ولكني أحب كل المؤمنين المتنورين المجددين الرافضين لكل الهمجية والعبث، أحب كل من لا يكرهني بسبب أفكاري
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الدامسقصة, الظلام, وحش, قصيرة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

البحث المتقدم
اسلوب عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة قصيرة من تأليفي ... ساحر القرن الأخير ساحة الشعر و الأدب المكتوب 16 08-27-2019 10:13 PM
“العري” قصة قصيرة للكاتب العراقي يحيى الشيخ صفا علي ساحة الشعر و الأدب المكتوب 0 12-28-2018 11:47 PM
قصة قصيرة luther ساحة الشعر و الأدب المكتوب 0 01-18-2018 03:40 AM
قصة قصيرة .... ساحر القرن الأخير ساحة الشعر و الأدب المكتوب 7 03-28-2017 01:14 AM
سكان الأرض سيعيشون 15 يوماً من الظلام الدامس ! ماذا لو كان الأمر صحيحا bakbak العقيدة الاسلامية ☪ 60 10-10-2015 11:17 AM