شبكة الإلحاد العربيُ  

العودة   شبكة الإلحاد العربيُ > ملتقيات في الإلحاد > حول المادّة و الطبيعة ✾ > الأرشيف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع اسلوب عرض الموضوع
قديم 07-16-2014, 01:23 AM أنا لُغَـتِي غير متواجد حالياً   رقم الموضوع : [1]
أنا لُغَـتِي
عضو برونزي
الصورة الرمزية أنا لُغَـتِي
 

أنا لُغَـتِي is on a distinguished road
Cool في نقد الحجة السببية – الجزء الأول




عن من نتحدث ؟


لقد قدمَ الكثيرون أُطروحاتٍ تَسخرُ وتَعصفُ الحُجةَ السببية مِن سِروَالِها, ولَكِنَهُم عَادةً لا يَذكُرونَ الصورة العامة. قبلَ البدءِ أعزائي تذكروا بأنَ هَذِهِ الحُجة تُقدَمُ لإثباتِ وجودِ الإلهِ الإبراهيمي المذكورِ في الكُتبِ المقدسة – كالإنجيل والقرأن, إنهُ الإله مُطلقُ القِوى, مُطلَقُ القدرات, مطلقُ المعرفة, مطلقُ الوجود, الإله الوَاعِي ذو الصِفَاتِ الشَخصِية, الذِي يُثِيرهُ البَشَر ومُحِيطهم وعَادةً – إن لم يكن دائمًا بشكلٍ مُطلَق – مَا يَكونُ مُهتمًا جدًا لِما يفعله البشر, إِنهُ الإله الذي وَصَفَتهُ الكُتبُ المُقدسة بِأَنهُ قَد أظهَرَ نَفَسهُ وأحيانًا قدراتهُ وأحيانًا تَدَخَلَ شَخصيًا فِي محاولاتٍ لإثباتِ وجودهِ في كثيرٍ مِنَ الأحداث وفي كثير من مناطقِ الشرقِ الأوسط, إنه الإلهُ الذِي عادةً مَا تكونُ لَهُ مُتعَةٌ فِي خرقِ القَوانِين والثوابتِ الفيزيائيةِ ويُسمِيهَا المعجزات. نَحنُ نَتَكَلَم عَن كِيانٍ يَودُ مِننا أن نُؤمِنَ بِشكلٍ يَائسٍ وقَد حَاولَ ذَلكَ عَلى مَرِ التَارِيخ حَتَى يَكَادُ ذَلِكَ أن يُصبِحَ هَمَهُ الوَحيد وشُغلُهُ الشَاغِل, فَإن نَظَرنا إلى هَذِهِ المواصفاتِ وتَمعنا فِيها, لَنَجِدَ أن إثباتَ وجودِ هَذا الإله سَيكونُ أسهَلَ مِن إثباتِ وجودِ القَمَر, ولَكِن هَذا مَا تُكَذِبُهُ المُحَاوَلات المُتَكررة واليائِسة والتي عَادة مَا تكون فاشلة – إن لم تكن كذَلك في مُعظَمِها.

الفطرة ضد الفطنة، الحدس ضد الإبصار

الكائن البشريّ هو كائنٌ فطري, بمعنى أننا لدينا نظرةٌ وفهمٌ حدسي مسبق حولَ الكثيرِ من الأمور, مما يعطينا تفاعلاً خاصًا عاجلاً لما يدورُ حولنا. البديهيات الحدسية قَد تكون واضحةً أو مشوشة, قويةً أو ضعيفة, محددةً أو عامة, والأمور التي تتعلق بتلك البديهيات لها مدىً واسع يمتد من ما يدور حولنا في حياتنا اليومية الى أمورٍ عميقةٍ وجذرية, ويمتد من الميتافيزيقيا الى العلمِ المادي ومن الدفاعات الوقائية الى الأخلاقياتِ البشريةِ, ونُشيرُ إلى تِلكَ الكُتلةِ مِنَ التَفَاعلاتِ العاجلةِ بِمصطلحِ «الفطرة السليمة», ذلك المصطلح الغامض كثيرُ الضبابية, وأشدد هنا على كلمة «سليمة», ودعني أتساءل: سليمةٌ من ماذا؟
لقد كان التاريخ البشري حافلاً بعملية تحررنا من أوهام الحدس الفطري, بوضع تلك الأوهام بين سندان العلم التجريبي ومطرقة الفطنة, وكقاعدة, يمكننا القول بأنها لا تصمد جيدًا. ولكن في كل خطوة من تلك العملية الطويلة يظهر لنا المنادين بالحدس الفطري مدافعين وبكل ما أوتو من قوة عنه, مصرين على أن مَنطِق ودليلَ وحجةَ الفطنة – أو على الأقل الطريقة التي تم التفسير بها – لابدَ أن تكونَ خاطئة. ويعتبر بعض مهلليه بأن حدسًا فطريًا معينًا يجبُ إستخدامه في مواضيع محددة, ويعتبره أَخرون بأنه طريقةٌ عامةٌ لإستكشاف المحيط, أو بأنه أساس الحصولِ على أي معرفةٍ كانت.
وعلى الرغمِ مِن ظهورهِم المتكرر وكثرَتِهم, إلا أنَ التاريخَ لم يكُ لطيفًا مع المنادينَ بالحدس أو الحس الفطري. فلنبدأ بأكثر الحقائق وضوحاً في عالمِنا, أن كوكبنا يكون على شكل كرة, يمكننا نفي هذه الفكرة بالإستعانة بتجابرِبنا الحياتيةِ العامة, بل لمعظم تاريخ البشر Homo Sapiens, كنا على ثقة بأننا نعيش على أرض مسطحة. وبالفعل, لقد عارض هذا المفهوم معارضوه معتمدين على الحس الفطري – ودفع بعضهم الإيمان بالمقدسات والموحيات الإلهية. ومن ثم جاءت حقيقةٌ أُخرى وكانت قاسيةً جدًا على حدسنا الفطري, وهي فكرة لا مركزية الأرض, فلقد بدا جليًا لألاف السنين أنَ الأرض هي مركزُ الكون ويدور حولها الشمسَ والقمر؛ فهكذا كانت تبدو لهم أليس كذلك؟ وأنا أتساءل هنا – كما تساءل لودفيج فلينكنشتاين – ماذا يتوقعون لها أن تبدو إن كانت الأرض ليس مركزًا للكون؟ لقد إستغرقت البشرية حوال مئة عام في بداية العلم المعاصر بدئاً غاليلو والى كوبرنيقوس لكي تقر أن الأرضَ ليست مركزًا للكون.
كانت مركزيةُ الأرض النظرةُ الفلكية التي تبناها ألمع فيزيائيِّ عصره, أرسطو. قدم أرسطو نموذجًا مفصلًا في الفيزياء الميكانيكية, توسع وإزدهر في العصور الوسطى, ولكن تم تخطئته على يد الفيزيائي الشهير إسحاق نيوتن. على الرغم من الجهدِ الكبيرِ الذي قامت به البشرية لكي تتوجه نحو الفيزياء النيوتنية, إلا أنه يبدو أن الفيزياء الأرسطولية مطبوعة في أدمغتنا, كما أشارت عدة دراسات نفسية(1), ويصحُ ذلكَ حتى على مَن قام بالفعل بدراسة الفيزياء النيوتنية؛ فإن أعطيتَهم فرصةً ليفكروا بالمكيانيكا الفيزيائية للقيام بأمر ما, سيطبقون الفيزياء النيوتنية الصحيحة, ولكن إن وضَعتَهم في موقفٍ لا يسمحُ لَهم بالتفكيرِ أو التحليلِ العلمي للميكانيكا الفيزيائية, ليستخدموا ما يتوصل اليهم حدسهم الفطري, فسيعودون بشكل تلقائي الى العصورِ الوسطى حيث يزدهر نموذج الفيزياء الأرسطولية. على الرغمِ من مئاتِ السنينِ مِنَ الأدلةِ والتجارب والتعليمِ والتطبيقاتِ النيوتنية للفيزياء, يبدو أننا لا يمكننا ان نزحزح شبح الفيزياء الأرسطولية.
وليست الفيزياء وحدها من عانت من الحدسِ الفطري الخاطِئ الذي إزدهرَ لدى إغريق العصور الوسطى. الهندسة الإقليدية التي يدرسها معظم طلاب المدارس الإبتدائية, بنيت على أساسِ الحَدس الفطري. أسس إقليدس هندسته على خمسة مُسَلماتٍ, مبَادئٍ وَصفها بأنها «لا تتطلب إثبات عقلاني, لأنه لا شخصٌ عقلانيٌ مِن المُمكنِ أن يشكَ في صِحتِها». لقد بقيت قناعة المهندسين لمدةِ ألفيّ سنةٍ بأن مسلماتِ إقليدِس الخمسة لا يمكن لشخص واعٍ بالهندسة أن ينكرها, ولسوء حظ قناعتهم, إكتشفنا خطَئهم مراراً وتكراراً. في القرن التاسع عشر, حَدَث واحد من أكبر التطورات في علمِ الهندسة حين قام رياضيين إثنين بوضع أُولى النماذج للهندسة الغير-إقليدية وحينها خَرقوا مسلمةَ إقليدس الخامسة (مسلمة التوازي)(2), وجاءت في القرن العشرين نظرية إينشتاين في النسبية لتقوم بوصف هندسةِ كونِنِا الذي نعيش فيه بشكل أقرب صلة بالواقع من إقليدس, وإقتنعَ الكثيرون بأن الزمكان له هندسة هي بالفعل غير-إقليدية. حتى القرن العشرين لَم تكن لدينا أيِّ تِكنولوجية مِنَ الممكن أن تَكشُفَ عَن خرقٍ للهندسة الإقليدية, ولكن تنبأ أَينشتاين أن مثل هذه الخروقات لها وجودٌ في الكون, وتم التحقق من هذه التنبؤ بكشف الخروقات في وقتٍ لاحق من قبل الملاحظاتِ التجريبية كالإنحناءِ الطفيف فِي ضوءِ النجم خلالَ الكسوفِ الشمسِي في عام 1919, وهذهِ الإعتبارات هي الأن فِي الحقيقة جزئًا لا يتجزء من برامج تحديد الموقع GPS في التِكنُولوجيا المُعاصِرة.(3)
لقد قَام نجاح الهندسة الغير-إقليدية بإذلالِ ثِقتنا بأن نَقوم بإستخدامِ حَدَسِنا الفطري لكشف الحقائق, ولم يكن وحيداً في هذا الفعل؛ فبالإضافة الى قلب النموذج النيوتني في الفيزياء – والذي إقتنع العلماء بنجاحه بشكل باهر وظنوا أن معظم الأسئلة العلمية تم حلها ولم يبقى سوى هيكلة التفاصيل – قام إينشتاين بقتل حدس فطري أخر, التَزَامُن simultaneity. على الرغم من الحدس الفطري القوي الذي يحاول أن يؤكدها, فكرةُ أنَ حَدَثينِ تَزِيد المسافةُ بينهما عَن صِفر يحدثان في نفس الوقت هي فكرةٌ خاطئة, فالأحداث تَقَع في الوقتِ ذاتهِ فَقط نسبةً إلى الأُطُر المَرجِعِية Frames of reference, وبالنسبةِ لإطارٍ مرجعيٍ أَخر قَد يَكونُ الحدث (أ) يسبق الحدث (ب), وبالنسبةِ لإطارٍ مرجعيٍ أخر أيضًا قد يكون الحدث (ب) يسبِقُ الحدث (أ). الزمن, والذي ضَنَ الإنسانُ أنَهُ مُطلقٌ منذُ أن بَدَءَ يُفَكِر بِهِ, أصبَح الأن نسبيًا, ومرةً أُخرى نَرمِي الحَدَسَ الفطري بعيدًا نتيجةً لضوءِ الإكتشافاتِ العلمية.
ولكن أكثر المجالاتِ العلميةِ متناقضةً مع الحَدَس الفِطري هي: الميكانيكية الكمومية Quantum Mechanics. فهنالك الكثير من الظواهرِ الغريبةِ والتي تُعارِضُ وتَنتَهِك الحَدَس الفطري حتى وَصَفها ريتشارد فاينمن Richard Feynman – أحد أعظم العلماء في المئة سنة الماضية – بقوله المشهور: «لا أحَدَ يفهم الميكانيكية الكمومية». تُخبِرنا الميكانيكية الكمومية بأَنَ الفوتون هُو موجةٌ بالإضافةِ الى كونهِ جسيم, والجُسيماتُ المتشابكة Entangled Particles من المُمكِنِ أن تُؤَثر بعضُها على بَعضٍ بشكل فَوري, أسرعُ مِن سُرعةِ الضوء ومِن مسافاتٍ بَعيدةٍ جِداً, حتى أنَ بَعَضَ الجُسَيمات بإمكانِها أن تُسافِر وتَعودَ عبر الزمن. مبدأ الشَك لهايزينبيرغ Heisenberg Uncertainty Principle يصرح بأنَ عمليةَ تحديدِ المَوقع الدَقِيقِ لجُسيمٍ مَا, بإمكَانِها أن تَلغِيَ عَمليةَ قِياسِ سُرعَتِه, وعَمليةِ قياسِ سرعتهِ بإمكَانِها أن تَلغِيَ عَمليةِ تحديدِ موقعهِ. بتعبيرٍ أخر – رُبَما يكونُ أكثَرُ فِهماً – فِي ظِلِ ضُروفٍ مُعينةٍ يمكنُ للجسيماتِ أن تُوجَدَ ولَكِن ليسَ في موقعٍ محدد, وبإمكانها أن تتحرك, ولَكِنَها لا تتحركُ بإتجاهٍ محددٍ أو بسرعةٍ محددة. عَلى الرغمِ من الغرابةِ الكبيرةِ التي تظهرُ على الأسطرِ السابقة, إلا أن القوةَ الرياضية التي تَدعَمُ الميكانيكا الكُمومية تُمكِننا من أن نَقُومَ بِقياساتٍ تنبؤيةٍ بدقةٍ كبيرةٍ جدًا, وهذهِ الظواهرُ الغريبة, يشارُ إليها فِي بعض الأحيان بمصطلح: «الغرابة الكمومية» ويُصَورُ لَنا هذا الإصطلاح كَم هي متناقضةً مَعَ الحَدسِ الفِطريِ الإنسانِي.

معضلة الحدس الفطري الإنساني تزيدُ وتعظم حَتى تتخطى قوانينَ الكونِ الذي نَعيش فيه وتصل الى المَنطِق والرياضيات. فلِمُعظمِ تَاريخِ الرِياضيات, تم إفتراضُ أنَ الرياضيات بصورةٍ عامةٍ مبررةٌ عقلانيًا, متماسكة, كاملة, ومحسوبة, وكما وصفها ديفيد هِيلبِيرت – أحد أكثر الرياضياتيين ألمعيةً فِي القرنِ العشرين, بقوله: «في الرياضيات, لا يوجد ما لن نعلمه». لقد قام عِملاقي الرِياضيات, راسل بيرتراند ووايتهيد بكتابةِ كتاب Principia Mathematica والذي كان جهدًا جبارًا حَاولَ أن يَجمَعَ الرِياضيات كُلَها. لم يفق هَذا الكتاب إلا فَشَلُ مُحَاولَتِهِ عَلى يدِ كيرت كيرتل Kurt Godel في العام 1931. نَشَرَ كيرتل إثباتينِ إثنينِ, كَانا دَامغين الى أعلى درجةٍ مِن المُمكِنِ أن تَصِلً إليها الرِياضيات, بأن الرياضياتِ بِنفسِها وبِحُكمِ الضَرورةِ غَيرُ مُكتَمِلة, وفِي كِلِ نِظامٍ حسابيٍ يُوجَدُ حَقِائقٌ لا يُمكِنُ إثبَاتُها. حَجمُ هَذِهِ النتيجة لا يُمكننا أن نبالِغَ في تصويره؛ فلمعظمِ تاريخِ البشرية كنا ممتلئين قناعةً بأنَ الرياضيات هِي أعلى نَمَاذِجَ اليقين والعقلانِية والحقيقةِ بِنَفسِها, وهَا هو هذا النموذج يطيرُ مِن نَافذة كيرت كيرتل مَع الرِيح ويُصبِحُ جُزءًا مِن التاريخ لا غير.
بعد هذا صرحَ كِيرت جيرتل بالقولِ التالي: «لقد كانت نتيجةً مذهلة, بأنَ حَدَسَنا الفِطري المَنطِقي يكونُ حدسًا مناقضًا لنفسهِ بنفسهِ». إن كان حدسنا الفطري حول الحقائقِ الرياضياتيةِ والفيزيائيةِ والهندسيةِ لا يمكننا أن نَثقَ بِهِ, فكيفَ لنا أن نثِقَ بحدسنا حيالَ أيِّ أمرٍ أخر؟
بعدَ كُلِ هَذا, إنَهُ الحَدَسُ الفِطريُ الذي إثبَتَ فَشَلَه مِرارًا وتكرارًا, هُو مَا يَعتَمِدُ عَلِيهِ اللاهوتِيونَ وأخرونَ مِنَ المُؤمنينَ للبدءِ في الحجةِ السببية. ويتم صياغتها كالتالي:

1- كل ما بدء أن يوجد, له مسبب.
2- الكون قد بدء بالوجود.

3- لذا, فالـ كون له مسبب.
4- الله هو التفسير الأفضل لهذا السبب.
5- الله له وجود وتحكم في خلق الكون.


نعم إنهُ الحدسُ الفِطري الذي يناصِرونه ويَدفَعونَ بِهِ ليُبَرِرِوا النقطةَ رقم (1) بأنَ كل ما بَدَءَ أن يوجد, لهُ مسبب. لا يُوجَدُ ما يُبررُ النقطةَ رقم (1) سوى الحَدَس الفِطري, ويعترف بهذا مُعظَمُ مَن يَطرح الحجة السببية, فمنذُ البِداية إذاَ, نَرَى أنَ الحجةَ السببية الكلامِية مَبنيةٌ عَلى أساسٍ هَش جدًا لَطَالما أشبعهُ التاريخ هزائمٌ متلاحقة.

ال
دوافع النفسية ــ الإجتماعية للإيمان بالحجة السببية

أحَدَ أهمِ النُقاطِ فِي هذِه الحُجة, هِي الطَريقةِ التي يُقدِمُها المؤمِنُونَ بِها, فَفي مُعظَمِ الحَالات تَتَميزُ هَذِهِ الحُجة بأن تُقَدَمَ بِدايةَ بِذكر «أسرَارِ» و«أحجيات» الإنفجارِ الكبير, والمِيتَافِيزِيقيا السَبَبَية, وتَذكيرٌ هَامٌ يتواصلُ ذِكرهُ بأنَ الكونَ لَهُ عُمرٌ مَحدود, وبِما أن الكون لا يُمكِنُ أن يَقفِزَ فجأةً إلى الوجود, لابُدَ مِن وجُودِ مسببٍ لِهذا الوجود, وأن هَذَا السَبب لا يَفهَمهُ ولَن يَصِلَ إليهِ العلم, نَعم لَقد حَزَرت, إنه الله.
تعدُ هذهِ الطريقة فِي التقديمِ أحدُ أوضحِ التطبيقاتِ العمليةِ لِما يُعرفُ بِـ «الحاجَةِ إلى الوُصولِ المَعرِفي Need for cognitive closure», والتي تُعرَّفُ عَلى أنَها: الحاجةُ للإجابةِ عَلى سؤال – أي إجابةٍ كَانت – للإبتعادِ عَنِ الغُموضِ وعدمِ اليقين. هذهِ حالةٌ نفسيةٌ لَها ظواهرٌ وتَطبيقاتٌ كَثيرة(4), بَل عَدَها البَعضُ ورَبَطها بِشكلٍ مُباشرٍ مَعَ الإيمانِ الديني(5). مِنَ المُهمِ أن نَعلَم أنَ الكَثيرَ مِنَ البَشَر لا يَشعُرونَ بِالراحةِ النفسيةِ حِينَ تَتَعرضُ إيمَانَاتِهِم بالشَك والغُموض, وتعد هذه الحَالة مِن حالاتِ «التَحيزِ المعرفي cognitive bias».
وبالإضافةِ الى هذا, لدينا حالةٌ نفسيةٌ-إجتماعية أخرى تُعرف بإسمِ «العزو الإجتماعي اللاإرادي Spontaneous Social Attribution» وتعرف على أنَهَا المَيلُ إلى إدراكِ المُحيطِ بأنَه مَجمُوعةٌ مِنَ الإجراءاتِ المُتعَمدة مِن قِبَلِ أطرافٍ أخرى كَأن تَكون – أي تِلكَ الأطراف – كَائناتٍ بشريةٍ أو حيواناتٍ أخرى أو حَتى كياناتٍ ميتافيزيقيةٍ فائقةٍ للطبيعة, وتُعرَف هَذِهِ الحالة أيضًا بإسمِ «العاملية Agenticity». فِي الحقيقة, يقوم Michael Shermer بربط هذه الحَالة النفسية بالأديان بشكل مباشر ويعزو وُجُودُها لإسبابٍ تطوريةٍ واضحةٍ فِي كثيرٍ مِن كِتَابَاتِه(6). كَما يؤمنُ المؤمِن بِأنَ الزَلازِلَ والبَراكِينَ والأمطَارَ كُلُها بِتَحَكُمِ عُملاءٍ فوقَ الطَبِيعة – ربما إلهٌ أو ألهة – مِنَ الطَبيعيِ أن نَجِده يؤمِنُ بِأنَ الكَونَ مَا هُو إلا إِجراءٌ مُتعمدٌ أيضًا.
لِذا, وبعد أن نَعلم وجودَ هاتين الحالتين في الفِطرة النفسية للإنسان, من الطبيعي جدًا أن نجده يَعزو الأحداثَ الغامِضةَ التي لا يَعلمُ لَها أليةً مُعينةً إلى الإله, وبالتحديدِ إلى إلههِ الشَخصِي؛ كَي يُبارِي شَكَه وعَدَم يَقِينهِ, ومِن الطبيعي جدًا أيضًا, أن نَجِدَه يُحارِب الأفكار «العلمانية» التي تَضَعُ الكِيانات فَوقَ الطبيعيةِ جانبًا فَتبدو تِلك الأحداثُ طَبيعيةً بِشكلٍ كاملٍ, ويَقومُ بتأليف كِتابٍ كاملٍ عُنوانهُ «السيف البتار على من قال أن المطر من البخار», ونَجِده فِي القرنِ الواحدِ والعشرين ينادي ويصرخ بأن أسبابَ الزلازلِ ليست إلا عاقبةً دنيويةً للفسادِ و«تقصير التنورات».(7)
لدينا أيضًا تفسيراتٌ نفسيةٌ أخرى لَن أذكرها بتفاصِيلها, ولكن لمن يَودُ الإطلاع فَهنالِكَ التفكير الغائي
teleological thinkingو لتأنيس اللاإرادي المُضطَرِب Impaired spontaneous anthropomorphizin ومِنَ الجديرِ بالذكر, أنَ عُلماءَ النَفس يَجِدون في هذه الدوافع النفسية-الإجتماعية وشبيهتها سببًا لبداية الأديان وكذلك نَجِدُها سببًا لوجود الفطرة الحدسية التي تؤكد على أنَ كُلَ مَا بَدءَ أن يُوجد لَهُ مُسبب.(10)
ومِن هُنا نَرَى أنَ الحُجَةَ السَبَبية تَفتَقرُ وبِشكلٍ كَبيرٍ إلى المَوضُوعيةِ, ويَلجَئُ مُقَدِمُوها إلى الضَغطِ عَلى دَوافع نَفسية تجعل المُتَلقي يَعدها أمرًا مقبولاً إلى دَرَجةِ أن يكذبَ الحقائق العلمية. وبعد هذه المقدمة الطويلة, والتي قد يَجدها البعض أنها كافيةً لعدمِ الأخذِ ببقيةِ ما تطرحهُ الحجة السببية الكلامية, سنحاول في الجزءِ – أو رُبما الأجزاءِ – القادمة أن نُناقشَ القضايا الفلسفية أو العلمية التي تقدمها الحجة السببية الكلامية, ونرى ما إن كانت بالفعلِ قويةً إلى درجة أن تجعلها تُقَدَم على أَنها واحدةً مِن أقوى الحُججِ لإثباتِ وجودِ الله.

المراجع:

McCloskey, Michael. “Intuitive physics.” Scientific American 248.4 (1983) 122-130.
Nersessian, N., and Lauren B. Resnick. “Comparing historical and intuitive explanations of motion: Does naive physics have a structure.” Proceedings of the Eleventh Annual Conference of the Cognitive Science Society. 1989.
Ball, WW Rouse. A short account of the history of mathematics. Courier Dover Publications, 2012.
http://www.gmat.unsw.edu.au/snap/gps.../chap3/312.htm
Kruglanski, Arie W., and Donna M. Webster. “Motivated closing of the mind:” Seizing” and” freezing.”.” Psychological review 103.2 (1996): 263.
Saroglou, Vassilis. “Beyond dogmatism: The need for closure as related to religion.” Mental Health, Religion & Culture 5.2 (2002): 183-194.
Shermer, Michael. “Why people believe invisible agents control the world.”Scientific American (2009).
إبن قيم الجوزية, الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي, دار المعرفة, 1997.
Kelemen, Deborah. “The scope of teleological thinking in preschool children.” Cognition 70.3 (1999): 241-272.
Heberlein, Andrea S., and Ralph Adolphs. “Impaired spontaneous anthropomorphizing despite intact perception and social knowledge.” Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America 101.19 (2004): 7487-7491.
White, Peter A. “The anthropomorphic machine: Causal order in nature and the world view of common sense.” British journal of psychology 83.1 (1992): 61-96.
Willard, Aiyana K., and Ara Norenzayan. “Cognitive biases explain religious
belief, paranormal belief, and belief in life’s purpose.” Cognition 129.2 (2013): 379-391





:: توقيعي :::
أنا لغتي..


  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
نقد, الأول, الحجب, الجزء, السببية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

البحث المتقدم
اسلوب عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إبطال الحجة السببية في أقل من دقيقتين الأسطورة حول الحِوارات الفلسفية ✎ 0 01-25-2019 03:45 PM
التعصب الديني (الجزء الأول) ساحر القرن الأخير حول الحِوارات الفلسفية ✎ 8 03-15-2017 02:03 PM
في نقد الحجة السببية – الجزء الثاني أنا لُغَـتِي الأرشيف 0 07-16-2014 09:49 AM
ريمكسات إسلاميه الجزء الأول Google ساحة النقد الساخر ☺ 3 02-13-2014 12:46 PM
من أو ما هو اللاشيء...الجزء الأول السيد مطرقة11 الأرشيف 0 08-31-2013 09:23 PM